مواجهات مايو اللبنانية .. قرارات تؤجج لغة السلاح 2/2

الصورة أعدها المدون المصري محمد أيمن صاحب مدونة عصرك
- المسعى العربي ... جبهات القتال الداخلي تنتظر عدالته
- الجيش اللبناني... فاروق في معادلة الزمهرير السياسي
- ترجمة الأزمة ... إلى متى سيتواصل رهان القوة؟
- حوار الدوحة ... انبعاث دون غالب أو مغلوب
المسعى العربي ... جبهات القتال الداخلي تنتظر عدالته
على خلفية الجدل الدائر بين قوى الأكثرية والمعارضة بشأن أولويات الحل السياسي للأزمة، اجتمع وزراء الخارجية العرب بشكل طارئ لبحث المواجهات الأخيرة في لبنان ورسم خارطة طريق عاجلة لأزمته، وتغيب عنهم وزير الخارجية السوري وليد المعلم بسبب وفاة شقيقته، حيث دعوا إلى التوصل لاتفاق عاجل لتشكيل حكومة وحدة وطنية وانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للبنان، كما طالبوا بتشكيل فريق يضم ساسة ومثقفين وأطرافا محايدة للعمل على إعداد قانون جديد للانتخابات بعد انتخاب سليمان. وتجنب الوزراء في بيانهم الختامي توجيه أية اتهامات أو إدانات لأي من أطراف النزاع تجنبا لتأزيم الأوضاع، رغم أنهم رفضوا العنف المسلح لتحقيق أي أهداف سياسية. وقرروا أيضا تشكيل لجنة وزارية تتوجه إلى بيروت في أقرب وقت ممكن للتأكد من الإنهاء الفوري للقتال في لبنان والبدء بتسوية شاملة على أساس حزمة الحوار العربي، وتضم هذه اللجنة كل من الأردن والإمارات والبحرين والجزائر وجيبوتي وسلطنة عُمان والمغرب واليمن، برئاسة رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، وهي بذلك لا تضم أيا من الدول التي تدعم بشكل علني أطرافا لبنانية وخصوصا سوريا والسعودية ومصر، كما ناقشوا إمكانية عقد الحوار بين الأطراف المتنازعة خارج الأرض اللبنانية، وكذا دعم الجيش اللبناني عسكريا وسياسيا مع التخلي عن فكرة إرسال قوة ردع عربية كما حدث عام 1976 نظرا لتغير الظروف التي تسمح بذلك. هذا المسعى العربي يواجهه تباين أجندة الحوار المطروح، فالمعارضة تصر على أن تقتصر هذه الأجندة على الاقتراع الرئاسي وتشكيل الحكومة الوطنية، في حين تشترط قوى الموالاة وبعد التطورات الأخيرة أن يكون موضوع السلاح هو أول بند على طاولة الحوار.
مؤتمر عمر كرامي: قبيل بدء الاجتماع الوزاري العربي شدد أحد شخصيات المعارضة ورئيس الوزراء اللبناني السابق عمر كرامي في مؤتمر صحفي عقده بطرابلس على ضرورة العودة للمبادرة العربية أساسا لحل الأزمة السياسية في لبنان، لكن شريطة فهم المبادرة العربية فهما صحيحا يقوم على مبدأ المشاركة، وطالب بالتعامل مع بنودها كحزمة واحدة، بحيث يتم الاتفاق على رئيس توافقي، بعد التوصل لحكومة وحدة وطنية وقانون انتخاب عادل، وحمل حكومة فؤاد السنيورة والأكثرية النيابية مسؤولية تدهور الأوضاع في البلاد إلى المستوى الذي وصلت إليه الأيام الماضية، وشدد على أن اللامسؤولية التي تعاملت بها هذه الجهات، هي التي دفعت المعارضة للنزول للشوارع بأسلحتها الخفيفة، وانتقد أيضا تهجم رئيس الحكومة على دور الجيش اللبناني واتهامه له بالتقصير، وأكد أن الجيش قام بواجبه كاملا في الأزمة الأخيرة، محذرا من مغبة الذهاب بالبلد إلى حرب مذهبية، داعيا إلى ضرورة الحفاظ على المقاومة وعدم اتخاذ أي قرار يؤدي إلى إضعافها طالما هدفها التصدي لإسرائيل.
مؤتمر بطرس حرب: في أثناء ذلك، اعتبر النائب من قوى الأكثرية بطرس حرب أن لجوء حزب الله إلى استخدام السلاح للسيطرة على بيروت هو خطأ تاريخي كبير ستكون له انعكاسات كبيرة على المستقبل السياسي لهذا الحزب. وفي المقابل دعا المرجع الديني الشيعي السيد محمد حسن فضل الله إلى المباشرة بحوار عقلاني هادئ لحل المشكل بطريقة واقعية مشددا على أن تدويل الأزمة الداخلية أو تعريبها يزيدها تعقيدا، وطالب العرب والمسلمين بالتنبه إلى أن ما يجري لا يتصل بالاختلاف المذهبي السني الشيعي، وإنما سببه خلاف سياسي له جذوره الداخلية ومحركاته الخارجية.
مؤتمر أمين الجميل: من جهته طالب الرئيس اللبناني الأسبق والرئيس الأعلى لحزب الكتائب أحد أقطاب الأكثرية أمين الجميل الأمين العام لحزب الله بتقديم تعهد مضمون بعدم استخدام السلاح مجددا في الداخل وذلك شرطا قبل الجلوس إلى طاولة الحوار، وشدد في حديثه على أنه وبعد الأحداث الأمنية الأخيرة التي شهدها لبنان، لم يعد هناك أية محظورات بخصوص المواضيع التي يجب طرحها على طاولة الحوار وفي مقدمتها سلاح حزب الله الذي لأنه فقد مشروعيته من خلال استخدامه في انقلاب عسكري على الشرعية الدستورية استكمالا لمحاولات الانقلاب السياسي عبر الشروط التعجيزية التي حالت دون انتخاب رئيس جديد.
مؤتمر حسين خليل: قال المعاون السياسي للأمين العام للحزب بمؤتمر صحفي إن تحرك المعارضة كان ردا محدودا على ما سماه إعلان الحرب الصريح على المقاومة بشكل سلمي لولا تدخل من وصفها بمليشيات الحكومة التي بثت منشورات تمنع التظاهر وألقت القنابل اليدوية إضافة إلى انتشار قناصتها بالمباني المحيطة. وأوضح أن حزب الله كان قاب قوسين أو أدنى من نشر صور هذه الأحداث لكنه عدل عن ذلك "حتى لا يثور البلد". واعتبر أن حسابات من وصفهم بالمتسلطين بقوة الدعم الخارجي "كانت خاطئة" وأن المقاومة وضعت أمام خيار وحيد هو الدفاع عن نفسها، وأكد أنها لن تسكت عن أي اعتداء بعد الآن. كما رحب بكل جهد عربي حيادي لا يقف لمصلحة أي طرف ضد الآخر. وأشار أن المعارضة ستواصل عصيانها المدني حتى تسحب الحكومة قرارتها الأخيرة، ومن ثم يمكن الجلوس على طاولة الحوار.
مؤتمر ميشال عون: وفي مؤتمر صحفي عقده بالرابية بضواحي بيروت الشمالية، حمل زعيم حزب التيار الوطني الحر ميشال عون حكومة فؤاد السنيورة مسؤولية الاشتباكات المسلحة الأخيرة، مؤكدا أن تحالفه مع حزب الله "ورقة دائمة لن تنفصم أبدا". وفسر أسباب الأزمة الراهنة بأربعة عناصر أولها تنامي المنظمات التي وصفها بالإرهابية، وثانيها تسلح مليشيات جديدة، وثالثها الفساد المستشري، ورابعها قضية التوطين الفلسطيني. من جهة أخرى، طالب رئيس تيار التوحيد وئام وهّاب -وهو أحد أطراف المعارضة- قائد الجيش ميشيل سليمان وبصفته التوافقية أن يتسلم السلطة من السنيورة الذي قال وهاب إن الدخول لمقره من قبل المعارضة لن يبقى خطاً أحمر.
إغلاق السفارة السعودية: على صعيد آخر، أغلقت الرياض سفارتها ببيروت وأن سفيرها عبد العزيز خوجة، وهو من الدبلوماسيين الذين بذلوا كثيرا من الجهود من أجل تسوية الأزمة السياسية في لبنان، غادر البلاد. كما وجهت تحذيرا لإيران مفاده أن العلاقات العربية الإيرانية ستتأثر سلبا إذا كانت طهران تدعم ما اعتبرته المملكة انقلابا في لبنان من قبل حزب الله. ودعت كافة التيارات السياسية في لبنان "للاستماع إلى صوت الحكمة ولغة العقل ووضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبار".
بيان للجيش: في هذه الأثناء أصدرت قيادة الجيش بيانا جاء فيه "على إثر الأحداث التي جرت خلال الأيام الأخيرة، وبخاصة في بيروت والجبل، عززت وحدات الجيش انتشارها في مناطق التوتر، وهي تعمل على التأكد من استتباب الأمن وفرض النظام، ومنع أي ظهور مسلح أو نشاط أمني من قبل أي من الفرقاء ابتداء من صباح الثلاثاء "، وأيضا "لذا ستعمد وحدات الجيش إلى ضبط المخالفات على أنواعها، فردية كانت أو جماعية، بالوسائل المعتمدة، ووفقا للأصول القانونية، حتى ولو أدى ذلك إلى استعمال القوة".
التفاعل الدولي: رحبت الولايات المتحدة التي تعتبر حزب الله جماعة إرهابية بإنهاء القتال، وحذرت من أن المجموعة الدولية لن تسمح بعودة التدخل وهيمنة النظامين الإيراني والسوري في لبنان، وجددت دعمها لحكومة فؤاد السنيورة والجيش اللبناني لضمان القدرة على حماية المؤسسات، بينما اتهمت إيران الإدارة الأميركية بالوقوف وراء الأزمة في لبنان، معربة عن الجهود المساندة لحل داخلي، حيث قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية محمد علي حسيني إن أمريكا تتدخل بشكل مباشر في شؤون لبنان الداخلية، وفي نفس الوقت تتهم الآخرين بالتدخل في لبنان، وفي القدس صرح نائب وزير الدفاع الإسرائيلي ماتان فيلناي أن إسرائيل تخشى أن تسيطر إيران على لبنان وقطاع غزة بواسطة حزب الله وحماس. وفي نفس الإطار، دعت مجموعة أصدقاء لبنان في بيان صدر بالأمم المتحدة إلى الوقف الفوري للمعارك وإجراء انتخابات رئاسية من دون شروط مسبقة طبقا للمبادرة العربية، وتضم المجموعة 12 بلدا هي ألمانيا والسعودية والإمارات ومصر وإسبانيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا والأردن والكويت وقطر، إضافة إلى الأمينين العامين للجامعة العربية والأمم المتحدة ومجلس الاتحاد الأوروبي.
المدمرة الأميركية كول: أخبر مسؤول في هيئة قناة السويس أن المدمرة الأميركية يو إس إس كول عبرت قناة السويس في طريقها إلى البحر الأبيض المتوسط الذي غادرته في مارس الماضي بعد فترة وجيزة من انتشارها قبالة السواحل اللبنانية، وأعلنت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن إرسال المدمرة يأتي في إطار دبلوماسية البوارج الحربية لإظهار الدعم المعنوي لحلفاء واشنطن المنطقة وتخفيف الضغط الميداني عنهم وإعادة توازن القوى إلى سابق عهده. في حين استبعد مراقبون أن يكون لعودة المدمرة أي مؤشر فعلي على النية الأمريكية للتدخل العسكري المباشر في سير الأزمة اللبنانية.
حصيلة المواجهات: ومنذ اندلاع الاشتباكات بين أنصار الموالاة والمعارضة تضاربت حصيلة الضحايا، فبينما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية نقلا عن مصدر أمني مصرع 61 شخصا وإصابة نحو مائتين آخرين، أشارت وكالة رويترز إلى سقوط 81 قتيلا و250 جريحا، ونُقل عن مصدر أمني لبناني أن عدد القتلى ارتفع إلى سبعة وأربعين، إضافة إلى مائة وثمانية وثمانين جريحًا. في حين أفادت مصادر طبية لبنانية أن المواجهات بين مسلحي الطرفين أدت إلى مقتل ما بين 62 و81 شخصا على الأقل وإصابة نحو 250 بينهم 15 من مقاتلي حزب الله و12 من أنصار الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
الجيش اللبناني... فاروق في معادلة الزمهرير السياسي
في بلد يزيد عدد سكانه قليلا عن ثلاثة ملايين نسمة يصل عدد أفراد القوات النظامية اللبنانية إلى نحو 71 ألف رجل يدعمهم نحو 13 ألفا من أفراد قوى الأمن الداخلي. وتتركز قوة لبنان العسكرية في القوات البرية التي تضم 13 لواء مشاة مضافا إليها تسع كتائب من القوات الخاصة والكوماندوز والمدفعية والقوات المحمولة جوا. وتتألف الأولوية الـ 13 من 11 لواء مشاة ميكانيكي ولواء واحد حرس رئاسي ولواء شرطة عسكرية. وتشتمل مدرعات الجيش على 327 دبابة أميركية وروسية الصنع قديمة نسبيا، بالإضافة إلى 36 مركبة قتال مشاة ثقيلة و79 مركبة استطلاع مدرعة و378 مدفع هاون. هذا إلى جانب 1338 ناقلة جنود مدرعة ونحو 150 مدفعا من عيارات مختلفة. وفيما يقتصر سلاحه الجوي على ثلاث طائرات قديمة وأربع مروحيات، تضم قوته البحرية ستة زوارق دورية وسفينتي إنزال. وتقدر ميزانية الدفاع بنحو 594 مليون دولار.
عبر الأحداث المتلاحقة طيلة السنوات الثلاثة الأخيرة، لعبت المؤسسة العسكرية ازدواجية الدور الحيوي في التصدي للعدوان الخارجي والمساعدة على استتباب الأمن الداخلي، وكلتا الوظيفتين طبعتهما حيادية متناهية ليصير الجيش الفصل في مختلف التشنجات ويشق اختراقا في معادلاتها المستعصية، وهكذا حصن مناعة مبدأ حياده في حادث اغتيال دولة الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، ووقف بين ساحتي الشهداء ورياض الصلح ليحول دون الاشتباك في مهرجان الوفاء لسوريا الذي نظمه حزب الله في 8 مارس 2005، ووقف نفس الموقف بعد أسبوعين من ذلك في مهرجان مليوني لقوى 14 آذار، واشترك في الدفاع عن الجنوب إبان حرب يوليوز/تموز 2006، وما إن ألقت هذه الحرب أوزارها حتى دفع دفعا إلى الانتشار في جغرافية الجنوب بمعية قوات اليونفيل، وتدخل مجددا ليمنع الاحتكاك بين معسكري الفرقاء عندما صعد حزب الله لإسقاط الحكومة بإقامة اعتصام قريب من السراي الحكومي، وتتالت الوقائع والأحداث ليدخل أعمق تجربة له ويجسد وحدة البلاد في أزمة مخيم نهر البارد، فرغم أنه تعرض لمذبحة في الشمال اللبناني في 20 مايو 2007 على يد مقاتلي فتح الإسلام، فقد تصدى لهم بحزم طيلة ثلاثة أشهر من المواجهات وقد نزف عشرات القتلى والجرحى، هذا الانتصار لم يكتمل بأحداث الأحد الأسود في يناير 2008 الذي راح ضحيته 7 قتلى فأحال الجيش 7 ضباط من كيانه على التحقيق.
ترجمة الأزمة ... إلى متى سيتواصل رهان القوة؟
انطلقت أزمة الحكومة سنة 2006 مع حرب يوليوز/تموز، واستمرت في عام 2007 الذي شهد ميلاد أزمة الرئاسة، وامتدت الأزمتان إلى سنة 2008 حيث تجذر الاحتقان أكثر بمنعطف سياسي آخر لافتته شبكة الاتصالات. هذا الملف ذو الخيوط المتشابكة منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، تنقلت خلافاته من المبادرة العربية إلى القمة العربية في دمشق انتهاء بتحركات رسمية لبنانية على أعلى المستويات في بعض الدول العربية النافذة، وبقي الرواق العربي محل استفهام، فقد قسم بدوره اللبنانيين بعدما فسر مبادرته كل فريق من منظوره الخاص، وتشدد وليد جنبلاط حينما طالب بالمعالجة العربية للمحكمة الدولية والعلاقات الدبلوماسية مع سوريا والسلاح خارج المخيمات الفلسطينية.
ومع اشتداد حدة التجاذبات السياسية على إيقاع تبادل التهم القاسية، فقد رفضت مختلف أطراف المواجهة مذهبة الصراع الذي تفجر نارا في شوارع بيروت والجبل وطرابلس، وفي غمرة خلافها الذي وصل حد إراقة الدماء يصعب القول المتفرد بأن الساحة اللبنانية تحولت أرضا لتصفية حسابات إقليمية ودولية، لأن الأزمة الحالية هي انعكاس لأزمة عميقة داخل بنية النظام السياسي اللبناني نفسه وانعكاس لأزمة عميقة في النظام الرسمي العربي، وأيضا انعكاس لنظام دولي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية، وفي غياب رؤية عربية موحدة للأمن القومي، يبقى الدور العربي في المسألة اللبنانية رهينا بتحالفاته الإقليمية والدولية.
المبادرة العربية فشلت لأنها اختزلت الأزمة اللبنانية في انتخاب رئيس الدولة، لكنها كانت أعمق إذ بدأت واقعيا منذ قرار التمديد للرئيس إيميل لحود، وتواصلت بصدور القرار الدولي 1559 الذي نص على نزع أسلحة كافة المليشيات اللبنانية أو الأجنبية الناشطة في لبنان، والقرار بهذه الصيغة استهدف محاولة احتواء حزب الله ونزع سلاحه، وفي تقديري جاء اغتيال رفيق الحريري بسبب تداعيات هذا القرار، وحرب يوليوز/تموز 2006 استدركت ما عجز عنه القرار المذكور، وكان من تجلياتها رغبة أمريكا وإسرائيل في التدمير العسكري لحزب الله، وبفشلهما في ذلك لجأوا إلى الميكانيزم السياسي من خلال قرار 1701. وثاني أسباب الإخفاق العربي اختلاف التوجهات السياسية لحلحلة الأزمة عن نفقها المظلم، فقطر وسوريا تميلان إلى لبننتها، ودول الاعتدال تنادي بتعريبها أولا وتدويلها في مرحلة لاحقة.
الوضع المتفجر في لبنان يأتي في سياق استهداف المنطقة العربية حيث أزمات الصومال والسودان والعراق وغزة مشتعلة على بساط الاحتفال الإسرائيلي بستينية النكبة، وهو بذلك يعبر عن واقع العرب المتداعي، إذ لم يستطيعوا حتى الآن الاتفاق حول مصير العراق وكأنهم استسلموا لتصبح قضية العرب الثانية بعد فلسطين المحتلة والثالثة ستكون قضية لبنان، هذا الواقع المأزوم تتحدث تجلياته عندما تساند أمريكا شيعة العراق ضد سنته وتساند سنة لبنان ضد شيعته.
التمعن الدقيق للأزمة يفضي بالناظر إلى أن موضوعها ليس هو الرئيس، فقد قاطعت بعض الأطراف إميل لحود بدعوى التمديد غير القانوني، ولم يتحدث أحد عن الفراغ الدستوري، والبرلمان اللبناني مشلول، والحكومة يطعن في شرعيتها البعض الآخر، ومن ناحية ثانية، حماية سلاح المقاومة بيضة يجب الذود عن حياضها لاعتبار واحد أن الصراع العربي الإسرائيلي لم ينته بعد.
عسكريا، السلاح مفهوم مركب من ثلاثة عناصر متداخلة، فوهة تطلق النار وقناة تؤمن الاتصال وآلية تنقل الذخيرة، وعلاقة بالاتصال، وفي بلد مراقب بـ 12 قمر اصطناعي لا يمكن بحال إفلات أجهزته اللاسلكية من التلصص والتجسس عليها، والشبكة الأرضية الحكومية غير موثوقة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الوزراء المشرفين عليها يشتبه في ضلوعهم خلال حرب يوليوز/تموز، والشبكة الجوية لا يشك أحد في اختراقها إسرائيليا، وبالتالي يظهر أن شبكة اتصال حزب الله هي حتما لحماية المقاومة ولا علاقة لها بالسيادة أو بمصادرة خدمات الدولة، كما أنها ليست جديدة، فقد شرع في تركيبها في بداية سنة 1991 وتوسعت بتطور الإلحاح في الحاجة، ومع ذلك هذا لا يمنع من توافر صيغة تحفظ المصلحة العامة التي تقوم عليها الحكومة وتحفظ أمن المقاومة بما يخدم المواجهة ضد المخاطر الخارجية.
ووصف الحكومة بالاعتداء على المقاومة فيه تجن كبير عليها، خصوصا وأنها وصفت من قبل قطبي الشيعة سابقا بحكومة المقاومة الدبلوماسية، فلمَ يٌشهر سيف التخوين في وجهها إذا ما قررت فرض هيبة القانون وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، ويفترض بمن قدم دماء وشهداء أن يدعم مثل هذا القرار ويسهل أجرأته بما يضمن وحدة الكيان المستقل المتنوع في أديانه ومذاهبه.
وبين هذا وذاك، نجد أن الأطراف اللبنانية تؤمن بنظرية المؤامرة، فالمعارضة تردد المؤامرة الصهيونية الأمريكية الأمبريالية، والموالاة تردد المؤامرة الفارسة الشيعية الصفوية، ولهذا يسهل على كل طرف التعبئة الإعلامية لتوجهه، والشحن النفسي ضد الخصم العميل الذي يستحق التصفية، ومقابل هذين المحورين ينعدم محور ثالث يتحدث عن لبنان كوطن قائم الذات دون الانسياق وراء خطابات الهوية العربية والقومية والطائفية.
كل إناء بالذي فيه ينضح، ففي الوقت الذي تتهم فيه الموالاة حزب الله بإنشاء دولة متكاملة ضمن الدولة اللبنانية، ترى المعارضة أن الموالاة تنفذ مخططا أميركيا إسرائيليا للهيمنة على لبنان، وكل طرف يرى الآخر بأنه هو الذي يثير الفتنة وبين هذا وذاك تبدو البلاد متجهة نحو مستقبل مفتوح على كل الاحتمالات، فما الحل في وسط كل هذه الاتهامات المتبادلة؟ وما الحل في حالة الاستعصاء والإصرار على المواقف المتشددة؟.
اقتراح البدائل للتخفيف من وطأة الأزمات اللبنانية، ربما ينبع من إضافة إخفاق جديد لبوش لسجله الذي حفل مؤخرا بمسارات الفشل، لكن الثبات على القرار الوطني الحر والعودة إلى اتفاق الطائف والدستور والوفاق الوطني والعيش المشترك، بعيدا عن الاستقواء بالخارج يبقى أجمل الخيارات لأنه لا ينتقص من قدر وقيمة المقاومة التي قدمت الدم والشهداء، فإذا استعصت الأنفس على امتثال هذه الأبجديات السياسية في الحياة اللبنانية، فإن البحث عن نظام آخر ربما يكفل للبنان أن ينعم بالأمن والرخاء، والنظام العربي بإمكانه أن يجمع قمة سورية مصرية سعودية تؤسس لفيدرالية لبنانية تجمع في تركيبتها القانونية مختلف التناقضات التي يعج بها المشهد اللبناني.
إن لبنان وهو يموج بالفوضى ويبدو وكأنه يقتات على أزمة ويتنفس أزمة، ولكي يكون دولة عصرية، عليه في العمق الاستراتيجي أن يهجر القانون الطائفي، الذي يجعل مارونيا في منصب الرئاسة وسنيا رئيسا للوزراء وشيعيا رئيسا للبرلمان إلى آخره بالرغم من أن هويته طائفية، والمدخل لاجتثات جذور هذه الطائفية يبقى هو الحيلولة دون التصعيد السياسي على نوافذ الإعلام العربي لمنع التوتر الناجم عن تقاذف الاتهامات العلنية المتبادلة مما يحرج التراجع إلى الوراء لصالح التلاقي.
بديل آخر لا يتوقف على استقالة الحكومة كما تعالت بذلك بعض الأصوات، وإن كان فإلى من تقدّم الحكومة استقالتها؟ ومن يقبلها، ومن يرفضها؟ ومن يجري الاستشارات الدستورية، وأين يجريها والمجلس النيابي موصدة أبوابه، هناك من اقترح خطوة قد تعتبر غير ديمقراطية لكن تبررها الحاجة إلى إنقاذ الديمقراطية ولو بشيء من الخروج عليها، وتقضي هذه الخطوة بأن يتوجه قائد الجيش بصفته المرشح الوفاقي بإجماع عربي ودولي لا سابق له من دون جيشه وباللباس المدني، إلى قصر بعبدا ويعلن من هناك أنه قبل الترشيح الإجماعي الوفاقي ويدعو رئيس المجلس إلى جمع النواب وانتخابه، قد يكةن هذا انقلابا لكنه سلمي لأن رئاسة الجمهورية غير موجودة الآن، وغير معترف بشرعية ممارسة الحكومة لها، فقد تكون هذه الخطوة هي المحاولة الشرعية الدستورية الأخيرة للمحافظة على الجمهورية في وجه الذين يسيرون بها سريعا إلى الفوضى فالتقسيم فحرب مذهبية وأهلية تتقاسم الأرض والسلطات.
تعدد المواقف الدولية وتداخلها وتباينها قد يدفع في اتجاه بديل آخر، يقوم على تدخل السلطة الدولية ممثلة في الأمم المتحدة وتشرف على البلد وقد تدخله بذلك في غياهب المجهول الذي لا يمكن لأي كان أن يتنبأ بعواقبه، خصوصا وأن الولايات المتحدة اعتبرت أن حزب الله يسعى إلى بناء دولة داخل الدولة وهذا يشكل يشكل تحديا سافرا لاستقرار لبنان وللسلم والأمن الدوليين، ودعا الاتحاد الأوروبي اللبنانيين إلى إنهاء المواجهات وطالب المعارضة بوقف أنشطتها المسلحة، وخرجت فرنسا عن صمتها بنفيها عدم الوقوف مكتوفة الأيدي أمام مأساة لبنان، في حين شددت ألمانيا على ضرورة ملء الفراغ الرئاسي والتحاور بشأن نزع سلاح الميليشيات، واتهمت إسرائيل إيران بالوقوف خلف التوتر الدائر في لبنان في إطار محاولتها السيطرة على الشرق الأوسط، وإيران بدورها حملت الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية ما يجري.
حوار الدوحة ... انبعاث دون غالب أو مغلوب
في سياق إفساح المجال أمام الجامعة العربية لنزع فتيل الأزمة الملتهبة، ألغت الحكومة اللبنانية القرارين اللذين أطلقا شرارة المواجهات استنادا إلى مقاربة الجيش الذي عوهد إليه بمعالجة الموضوع، بموازاة ذلك جدد الرئيس الأميركي جورج بوش دعمه للحكومة مع إعلان وزارة خارجيته تسريع الإمدادات العسكرية للجيش اللبناني، وعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعا لبحث الوضع، لكنه أرجأ اتخاذ قرار في انتظار نتيجة الوساطة العربية، وتجدر الإشارة إلى أن أمريكا وفرنسا تشاورتا في هذا الصدد من أجل تقديم مشروع قرار أممي.
وهي تصوغ مسودة اتفاق متوازنة لجدول الحوار، اعتبرت اللجنة الوزارية العربية تراجع الحكومة عن قراريها تسهيلا لمهمتها وتمهيدا لتنفيذ بنود الحل العربي، ووصفته بالحريص على المصلحة الوطنية والسلامة العامة. وفي السياق ذاته، اعتبر نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله هذا التراجع بالمدخل الطبيعي لإعادة الأمور إلى نصابها، مشيرا إلى استعداد المعارضة للإسراع في التوصل إلى تسوية مشروطة.
ولاحتواء الأزمة التي تعصف بالبلد، نجحت اللجنة الوزارية العربية في نقل الحوار بين الفرقاء إلى الدوحة وفق اتفاق مبني على الدستور اللبناني وحوار الطائف، وقد أعلنه رئيس الوفد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في مؤتمر صحفي ببيروت، وقد أيدته كل من السعودية وسوريا، وأعرب وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير عن ارتياحه شاكرا الوساطة العربية التي نجحت في بداية وضع حد للشلل السياسي اللبناني، وينص هذا الاتفاق على البدء الفوري في حوار وطني يفتتحه أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ويترأسه رئيس الوزراء القطري ويشارك فيه الأمين العام للجامعة العربية وأعضاء اللجنة الوزارية الثمانية.ويتضمن الاتفاق النقاط الستة التالية:
1. عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الخامس من مايو/ أيار الجاري، أي تاريخ اتخاذ الحكومة للقرارين الخلافيين المتعلقين بتفكيك شبكة الاتصالات وإقالة مدير أمن مطار بيروت؛
2. الإنهاء الفوري للمظاهر المسلحة بكافة صورها والسحب الكامل للمسلحين من الشوارع وفتح الطرقات والمنافذ البرية وكذلك مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت، أي عودة الحياة إلى طبيعتها وتولي الجيش حماية وضمان عمل المؤسسات العامة والخاصة؛
3. استئناف الحوار الوطني على مستوى الصف الأول من القيادات والعمل على بناء الثقة بين الفرقاء، وذلك وفق جدول أعمال يشمل نقطتين هما حكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخابات الجديد، على أن يتوج هذا الجدول بإنهاء الاعتصام في وسط بيروت عشية انتخاب المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية؛
4. تعهد الأطراف بالامتناع عن أو العودة إلى استخدام السلاح أو العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية؛
5. إطلاق الحوار حول تعزيز سلطات الدولة اللبنانية على كافة أراضيها وعلاقاتها مع مختلف التنظيمات على الساحة اللبنانية بما يضمن أمن الدولة والمواطنين، ويطلق هذا الحوار في الدوحة ويستكمل برئاسة رئيس الجمهورية فور انتخابه بمشاركة الجامعة العربية؛
6. التزام الأطراف بعدم استخدام لغة التخوين والتفريق المذهبي.
بموجب هذا الاتفاق، انطلقت يوم الجمعة 16 مايو 2008 بالدوحة جلسات الحوار الوطني اللبناني برعاية الجامعة العربية، حيث حضرها من فريق الموالاة كل من فؤاد السنيورة، سعد الحريري، وليد جنبلاط وامين الجميل، وحضرها من فريق المعارضة كل من نبيه بري، ميشال عون، محمد رعد ممثلا عن حزب الله نيابة عن حسن نصر الله لأسباب أمنية.
الرجوع إلى الجزء الأول من المقال
-----------------------------
المصـــادر:
الجرائد اللبنانية: السفير، النهار، اللواء، الانتقاد، الحدث السياسي، القدس العربي، الشرق الأوسط
المواقع: الجزيرة نت، المؤسسة اللبنانية للإرسال، الجيش اللبناني، الجامعة العربية
الوكالات: الفرنسية، رويترز
مقالات ذات صلة بالملف اللبناني:




45