مواجهات مايو اللبنانية .. قرارات تؤجج لغة السلاح 1/2

أرجئت جلسة انتخاب رئيسه حتى اليوم 19 مرة، وتجاوز فراغه الرئاسي الستة أشهر، واقترب الأمد الزمني لاعتصام معارضته نحو السنة ونصف السنة، ومساعي الأمين العام لجامعة الدول العربية لتنفيذ خطتها الثلاثية الرامية إلى انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان لمقعد الرئاسة وتشكيل حكومة وحدة وطنية وإقرار قانون جديد للانتخابات العامة التي ستجرى عام 2009 لا زالت مستمرة، وفي قلب أسوأ أزمة يشهدها منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990، تنطلق مواجهة جديدة بين فرقائه، لكن هذه المرة تدخل الأزمة منعطفا خطيرا، إنه لبنان العربي الجريح، ساسته يتوارثون الاتهامات في مواقف تتطلب الحكمة والحنكة، ووسط تطورات ميدانية تتصاعد، وإرهاصات فتنة مذهبية طائفية تتنامى، يثار التساؤل عن المسؤول خلف هذا التدهور الكبير، وعن الإمكانيات المتاحة لإيقافه، أم أن إيقاع الاشتباكات سيرتفع من جديد على أفق مجهول وغير منظور.
- الانقسام الطائفي .. امتداد زمني يهدد السلم الأهلي
- شرارة المواجهات .. أطلقها مؤتمر صحفي وأججها إضراب عمالي
- لسان الفرقاء ... خطابات بين المواجهة والتهدئة
- التصعيد على الأرض .. استسلام الحكومة أو استلام السلطة بالقوة
الانقسام الطائفي .. امتداد زمني يهدد السلم الأهلي
وضعت الحرب الأهلية اللبنانية أوزارها منذ ثمانية عشر عاما، والانقسام الداخلي لا يبدو أقل مما كان عليه لدى اندلاعها في 13 أبريل من سنة 1975 وإن اختلفت أسبابه وتجلياته، فقبل 33 عاما اندلعت الشرارة الأولى للحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاما، قتل فيها 150 ألف شخص وأصيب مئات الآلاف بينما لا يزال مصير الآلاف مجهولا حتى الآن.
تظهر هوة الانقسام السياسي والاجتماعي حاليا أعمق وأوسع، فإبان الحرب الأهلية تجلى الانقسام بين مسلمي لبنان ومسيحييه في حلة سياسية تميز بين القوى السياسية اليسارية والتيارات القومية العربية ذات التوجهات العلمانية، واليوم فالانقسام الأعمق يبدو بين سنة لبنان وشيعته الذين برزوا كقوة سياسية وعسكرية تعززت مع انسحاب إسرائيل من جنوبي لبنان عام 2001، ويبدو وجهه الآخر في الشارع المسيحي الذي يمثل الموارنة مركز ثقله العددي والسياسي والروحي، حيث توزع على الطرفين الإسلاميين، رغم أن موقف مرجعيته الروحية أقرب إلى الموالاة مما عكس تراجع دوره في المعادلة السياسية.
انتهت الحرب الأهلية بمقتضى اتفاق الطائف الذي عكس توازن القوى على الساحتين اللبنانية والإقليمية سنة 1990، وبقي لبنان ينعم باستقرار اقتصادي وسياسي نسبي مع استمرار قيام سورية بدور محوري في الحفاظ عليه إلى سنة 2001 مع انسحاب إسرائيل من الجنوب وبروز حزب الله كقوة سياسية وعسكرية تمثل غالبية الطائفة الشيعية مدعومة من قبل إيران وسورية. وبدأ الحديث عن سلاح حزب الله ودوره ومستقبله داخل وخارج لبنان.
بدأ الصدام بين سورية وأمريكا مع الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003، وألقى العنف الطائفي المندلع في العراق بظلاله على الشارع العربي المجاور للعراق فانتشر الحديث عن الهلال الشيعي، وصدر قرار مجلس الأمن 1759 إثر اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، وبخروج القوات السورية من لبنان اكتملت حلقات مسلسل تعميق الانقسام بين السنة ممثلين في تيار المستقبل وحلفائه كالزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وبين الشيعة ممثلون بحزب الله وحركة أمل، وبينهما انقسمت القوى المسيحية والتيارات العلمانية، اليسارية والليبرالية التي تراجع وزنها كثيرا وخمد بريق مشروعها السياسي الذي لم يستطع تجاوز هذا الانقسام الطائفي.
ومع كل يوم يمر دون التوصل إلى حل للازمة التي يواجهها لبنان حاليا يترسخ هذا الاستقطاب الطائفي، الذي صار يستوعب ويشحن داخل خندقه قطاعا لا بأس به من الشباب العاطل عن العمل بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والمهيأ نفسيا لخوض تجربة حرب أهلية جديدة.
شرارة المواجهات .. أطلقها مؤتمر صحفي وأججها إضراب عمالي
كانت البداية بمؤتمر صحفي عقده الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بالمختارة جنوبي شرقي بيروت يوم السبت 03 مايو 2008، اتهم خلاله حزب الله بإنشاء شبكة اتصالاته اللاسلكية الخاصة للتنصت على المكالمات الهاتفية في لبنان، وزرع كاميرات على أحد مدرجات مطار بيروت لمراقبة الوافدين من أقطاب الفريق الحاكم، بهدف تدبير عمليات اغتيال وتفجير الطائرات، داعيا في هذا السياق إلى إقالة رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير الذي قال إنه مقرب من حزب الله، واتهم أيضا إيران بتزويد حزب الله بالأسلحة عبر رحلات جوية إلى المطار ذاته، داعيا إلى طرد سفيرها ومنع الطائرات الإيرانية من الهبوط فيه، وأضاف قائلا أنه لا قيمة للإجراءات التي تتخذ لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي يقضي بمنع دخول السلاح للبنان إذا كان رئيس جهاز أمن المطار وغالبية العناصر والضباط تابعين لحزب الله الذي لا يعترف بالدولة بل بدولة حزب الله.
غداة هذا المؤتمر أصدرت قوى الرابع عشر من آذار بيانا اعتبرت فيه أن حزب الله بلغ مرحلة حاسمة في مشروع إقامة دولته بعد تطهير مناطقه من أي وجود أمني للدولة، والآن عبر محاولة السيطرة على أمن المطار وإنشاء شبكة اتصالات خاصة به. يأتي هذا أثناء تدخل الجيش لضبط الوضع بعد وقوع عدة إشكالات أمنية في العاصمة بيروت بين موالين لتيار المستقبل وعناصر تابعة لحركة أمل، والتي شملت إحراق منزل وإطلاق رصاص على خلفية تصعيد كلامي واتهامات متبادلة بين الموالاة والمعارضة خصوصا فيما يتعلق بأمن مطار رفيق الحريري الدولي المحاذي لضاحية بيروت الجنوبية معقل حزب الله.
عقب ذلك، أطلقت الحكومة اللبنانية حملتها بإصدار بيان، وصفت من خلاله شبكة الاتصالات التي يمدها حزب الله في عدد من المناطق اللبنانية بأنها غير شرعية وتشكل اعتداء على سيادة الدولة والمال العام، وقررت بعد اجتماع ماراثوني استمر زهاء 11 ساعة، ملاحقة المسؤولين عنها قضائيا، وكذا نقل قائد جهاز أمن مطار بيروت وفيق شقير إلى الجيش إثر اتهامات بولائه لحزب الله، كما رفضت في ذات البيان ما يقال عن أن حماية حزب الله تفترض إقامة مثل هذه الشبكة، وربطها بسلاحه وبغرض التشويش على الأجهزة الإسرائيلية، وأعلنت أنها ستزود جامعة الدول العربية بكل الوثائق المتعلقة بهذا الموضوع والدور الذي تقوم به هيئات إيرانية فيه.
في المقابل رفض حزب الله التعليق الفوري على موقف الحكومة اللبنانية، معلنا أن موقفه من القرارات الحكومية المتعلقة بشبكة اتصالاته التي اعتبرتها غير قانونية سيتحدد في خطاب لأمينه العام حسن نصر الله زوال يوم الخميس 08 مايو 2008، واعتبر إقالة رئيس جهاز أمن مطار بيروت تجاوزا للخطوط الحمراء، كما اتهم فريق الأكثرية النيابية باللعب بالنار مهددا من يلعب بالنار بحرق يديه، ووصف نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله شبكة الاتصالات بأنها توأم سلاح المقاومة وجزء من الحماية الخاصة بالحزب في مواجهة إسرائيل، مؤكدا أن التصويب على موضوع المطار هو إحياء لمشروع القرار 1701 الذي وضع حدا للحرب التي شنتها إسرائيل على حزب الله صيف عام 2006 لفرض إشراف دولي على المطار وتطهير أجهزة المطار الأمنية من الموالين لقوى المعارضة، وفي ذات السياق، اعتبر التيار الوطني الحر حليف حزب الله القرارات الحكومية بمثابة إعلان حرب على الداخل اللبناني وتأجيج من أجل إحداث فتنة داخلية قد تؤدي إلى انفجار الوضع.
وجاء قرار الحكومة بالتحرك ضد شبكة اتصالات حزب الله قبل يوم واحد من إضراب عام دعا إليه اتحاد العمال بتأييد من قوى المعارضة، حيث بادر ميشال عون إلى دعوة أرباب العمل والعمال إلى المشاركة في التظاهرة حتى ترحل الحكومة من السرايا لأنها سبب نكبة لبنان، كما تتزايد المخاوف من أن يتحول الإضراب إلى احتجاجات وصدامات بين أنصار المعارضة والأجهزة الأمنية.
من جهة أخرى، خرجت مخاوف الأكثرية النيابية إلى العلن، حيث تخوفت على لسان أحد نوابها إلياس عطا الله من أعمال شغب قد تقوم بها المعارضة إبان إضراب الاتحاد العمالي العام للاحتجاج على سياسة الحكومة المعيشية ومطالبتها بتصحيح الأجور، كما حذر مفتي لبنان الشيخ محمد رشيد قباني من حدوث أعمال شغب وفوضى أثناء الإضراب، ودعا القوى الأمنية اللبنانية إلى تكثيف إجراءاتها، مناشدا كافة القوى السياسية حسم انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، ومشددا على ضرورة انخراط الجميع في المحافظة على هيبة الدولة ومؤسساتها العسكرية والمدنية.
المسيرة التي نظمها الاتحاد العمالي في ظرف حساس وبعد يومين من إعلان الحكومة عدم شرعية شبكة اتصالات حزب الله، جاءت تتويجا لتحركات النقابات التي اتهمت الحكومة بانتهاج سياسة النعامة فيما يخص مطالب العمال، وطالبت بتصحيح الأجور التي لم تتغير منذ 1996 ورفع حدها الأدنى إلى 600 دولار، ورفضت الزيادة التي اقترحتها حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة في اللحظة الأخيرة، حيث رفعت الحد الأدنى للأجور من 200 دولار أميركي إلى نحو 330 دولارا بغية الحد من تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة، وتجدر الإشارة إلى أن الحركة العمالية في لبنان منقسمة بدورها بين الاتحاد العمالي الذي تدعمه المعارضة، وهيئة الإنقاذ النقابية التي تضم تشكيلات نقابية تعارض مواقفه.
هذا الانقسام السياسي والنقابي انعكس على عدم التزام بعض مناطق بيروت بالإضراب ورفض جمعيتي المصارف والصناعيين علنا الانخراط فيه، ورغم ذلك فقد نجح الإضراب في معظم مناطق لبنان ولم يخل من تصرفات المحتجين غير المقبولة مدنيا، حيث قطعوا الطريق الرئيسية للمطار مما حذا بسلطاته إلى إلغاء 30 رحلة منطلقة من بيروت وقادمة إليه، كما قطعوا الطرق الموصلة إلى قلب العاصمة بالأتربة والإطارات المشتعلة، كما أقفلت معظم مدارس العاصمة وسط تركز للأنشطة الاحتجاجية في مناطق الكثافة الديمغرافية لأنصار المعارضة. وأيضا شل الإضراب مصالح رسمية عدة منها مرفأ بيروت. كما اندلعت اشتباكات مسلحة في ثلاثة من أحياء بيروت بين أنصار الحكومة والمعارضة، مما دفع بهذا الجو المشحون إلى وضع لبنان على شفير الحرب الأهلية.
من جهة أخرى، هاجم مسؤول حكومي هذه الاحتجاجات، وقال إنها عصيان مسلح يريد به حزب الله الاستيلاء على السلطة، وصرحت قوى 14 آذار بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء الانقلاب المسلح الذي يقوم به حزب الله بوحي من إيران، بعد صدامات بيروت على خلفية الإضراب العمالي ـ الذي كان التجاوب معه بحسب الولاءات السياسية للنقابات ـ، لكن رئيس حركة أمل نبيه بري حمل الحكومة مسؤولية ما يحدث.
على صعيد آخر، أفاد الجيش اللبناني في بيان له أن أربع طائرات حربية إسرائيلية خرقت المجال الجوي، بالتحليق فوق عدد من مدن وقرى الجنوب. كما صرح بأن انفجار القنابل العنقودية الإسرائيلية أدى منذ حرب يوليوز/تموز 2006 إلى مقتل أكثر من 45 شخصا وجرح ما يزيد على 250، ومن جهة أخرى حذر من أن استمرار الأزمة التي يمر بها لبنان سيعرض وحدته للخطر، في الوقت الذي تدخل فيه لفض اشتباكات جديدة بين أنصار السلطة والمعارضة مستخدما القنابل المسيلة للدموع، كما وضع نفسه بتصرف الجميع للخروج من الأزمة الحالية التي حولت أحياء بيروت إلى جزر مذهبية، ورفض قائد الجيش العماد ميشيل سليمان إعلان رئيس الوزراء فؤاد السنيورة أن تفكر الحكومة في إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول.
لسان الفرقاء ... خطابات بين المواجهة والتهدئة
خطاب حسن نصر الله: اعتبر الأمين العام لحزب الله في كلمته التي ألقاها بعد يوم من التوتر بين الموالاة والمعارضة عصر يوم الخميس 08 مايو 2008، أن الحكومة تجاوزت الخطوط الحمراء عندما اتخذت تلك القرارات السوداء في تلك الليلة الظلماء، كما اعتبر أن المساس بشبكة اتصالات حزب الله مساس بسلاح المقاومة، وأن قرارات الحكومة اللبنانية الخاصة بإعلان عدم مشروعية شبكة اتصالات الحزب بمثابة إعلان حرب، وأكد أن سلاح الحزب سيستخدم في الدفاع عن السلاح، وأن ذلك لا يعني نكثا لوعد يقطعه مرارا بألا يستخدم سلاح المقاومة في داخل لبنان، وهدد بقطع اليد التي ستمتد إلى سلاحه، لأن السلاح في هذه الحالة يستخدم ضد من يعملون للتخلص من سلاح المقاومة لصالح العدو، وشدد على أن حزبه لن يقوم بانقلاب ولن يسيطر على الدولة.
وحمل مسؤولية اندلاع الأزمة الأخيرة إلى حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، مؤكدا أن قراراتها اتخذت نيابة عن أميركا وإسرائيل وبتكليف منهما، وحمل مسؤولية التصعيد إلى الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي وصفه بالرئيس الفعلي للحكومة ونعته باللص والقاتل والكذاب. وقال إن فؤاد السنيورة مسكين وهو موظف عند وليد جنبلاط والأخير موظف عند وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس. واعتبر أن يوم اتخاذ الحكومة قراراتها كان يوما فاصلا شبيها بيوم اغتيال رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 وأن لبنان ما بعده ليس مثل ما قبله. وأن على فريق السلطة أن يعلم أنه أدخل البلاد بعد الجلسة الأخيرة في وضع جديد. وقال إن رهانات فريق السلطة قد سقطت، مضيفا أن وسطاء أمنيين بين الطرفين نقلوا عرضا بأن يتم غض الطرف عن شبكة اتصالات الحزب مقابل رفع الاعتصام الذي تنفذه المعارضة في وسط بيروت.
وسلط حسن نصر الله الضوء على ماهية شبكة اتصالات حزبه السلكية باعتبارها أداة القيادة والسيطرة بين المقاومة وقيادتها. ومضى إلى القول إنه عند عقد التحالف الرباعي (بين أمل وحزب الله والحريري وجنبلاط) بعد انتخابات 2005 كانت الشبكة موجودة ولم تعتبر اعتداء على سيادة الدولة، مضيفا أن استهداف الشبكة جاء ضمن توصيات تقرير فينوغراد الذي حقق في أسباب الإخفاق الإسرائيلي في حرب يوليوز/تموز 2006. وأعرب عن استعداده للمثول كأمين عام لحزب الله أمام القضاء بصفته مسؤولا عن شبكة الاتصالات، مشددا على عدم سماحه بالمس بأي من أفراد الحزب أو تقنييه. وعن عزل مدير أمن المطار العميد وفيق شقير قال الأمين العام لحزب الله إنه جرى بناء على ترتيب وليد جنبلاط، مضيفا أن التصدي لقرار إزاحة الأخير هدفه الحفاظ على المؤسسة العسكرية.
وأكد أن الحل للاحتقان الحالي في لبنان يتمثل في الحوار الوطني على قاعدة إلغاء القرارات الحكومية وأن حزبه لن يقوم بانقلاب ولن يسيطر على الدولة، مستبعدا أن تؤدي الأحداث الجارية في لبنان إلى حرب سنية شيعية، وقال إنه تم تجاوز المخاوف من فتنة طائفية.
خطاب سعد الحريري: دعا رئيس تيار المستقبل سعد الحريري الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله إلى منع الشعب اللبناني من السقوط في براثن الحرب الأهلية والفتنة الطائفية، قائلا: "أدعوك لكلمة سواء بيننا وأدعوك لفك الحصار وفتح طريق المطار وسحب المسلحين من الشوارع، أدعوك لوقفة مسؤولة تنقذ لبنان"، وسأله "إلى أين تقودون لبنان؟ وإلى أي مصير تأخذونه؟"، ثم فند الاتهامات التي ساقها نصر الله في مؤتمره الصحفي قائلا أن قطع شبكة اتصالات حزب الله لم يكن بإملاءات أمريكية بل لحماية الدولة، موضحا أن أمن المطار سلم لضابط لبناني وليس للمخابرات الأمريكية.
ولحل سوء التفاهم الواقع عرض عليه الجلوس إلى طاولة الحوار لبحث مبادرة من أربع بنود تهدف إلى وقف الأزمة المتفاقمة والمتصاعدة في لبنان، أولها وضع القرار في عهدة قيادة الجيش انطلاقا من مهمات الجيش في حماية النظام العام وتوكيد سلطة الدولة وحماية لبنان، ثانيها سحب مظاهر السلاح من الشوارع وفتح نقاط التفتيش وتشغيل مطار رفيق الحريري، ثالثها انتخاب الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان فورا، والبند الرابع هو الانتقال فورا إلى طاولة حوار وطني برئاسة سليمان لمناقشة الأمور العالقة. واختتم بالقول إن رفض هذا الحل هو إصرار على التطاول على أهلنا ومواطنينا، ولن نقبل لبيروت أن تركع لأحد.
الموقف العربي: دعت السعودية من وصفتها التيارات التي تقف وراء التصعيد في لبنان إلى إعادة حساباتها، واعتبرتها تعطل جميع الجهود المخلصة لإنهاء الأزمة السياسية، وتحقيق الوفاق بين فرقائه، كما لا زالت تعطل المبادرة العربية محذرة مما قالت إنها فتنة عمياء لن تخدم إلا قوى التطرف الخارجي، في مقابل ذلك رفضت سوريا والبحرين وقطر تدويل الأزمة واعتبرتها شأنا لبنانيا داخليا صرفا، كما أعلنت السعودية ومصر والأردن تأييدها لعقد اجتماع عاجل وطارئ لوزراء الخارجية العرب لبحث الأزمة اللبنانية وتداعياتها. من ناحية أخرى، تقدم الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بمقترح يقوم على تفويض رئيس الجيش بمهام قيادة المفاوضات بين الأطراف المتنازعة لمدة 20 يوما، وصولا إلى انتخابه رئيسا للبنان.
الموقف الأميركي: اتهم السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة زلماي خليل زاد حزب الله بالسعي إلى بناء دولة ضمن الدولة، وقال إن المعارضة التي يقودها حزب الله تحدت الحكومة الشرعية مستخدمة العنف والترهيب في محاولة لتقويض سلطة الحكومة، وحث مجلس الأمن على بحث خطوات إضافية، والتحرك بما في ذلك فرض عقوبات إذا لم تسع سوريا وحزب الله لتسوية الأزمة. من جهة أخرى قال المتحدث باسم البيت البيض غوردن جوندرو إن على حزب الله أن يختار بين أن يكون منظمة إرهابية أو حزبا سياسيا، لكن عليه وقف محاولته أن يكون الاثنين معا.
الموقف الأوروبي: أكد الاتحاد الأوروبي دعمه الكامل للحكومة اللبنانية، ودعا إلى حل الأزمة عبر الحوار وفي إطار المؤسسات، وأعرب عن قلقه الكبير من تصاعد الأحداث وتطورها المتسارع آملا أن تتصرف كل الأطراف بمسؤولية كما دعا الجامعة العربية إلى عمل حاسم للتشجيع على الوفاق بين القوى السياسية اللبنانية.
الموقف الأممي: دعا مجلس الأمن الدولي جميع الأطراف اللبنانية إلى الهدوء وضبط النفس والعودة إلى الحوار السلمي لحل الأزمة، وأعرب في بيان تلاه المندوب البريطاني والرئيس الحالي للمجلس جون سويرز عن دعم الدول الأعضاء للمؤسسات الدستورية بهذا البلد، كما أعرب عن قلقه العميق حيال المواجهات والتوتر الراهن في لبنان، بما فيها قطع الطرق وإغلاق مطار بيروت الدولي، ودعا جميع الأطراف للعمل معا لانتخاب رئيس في إطار المبادرة العربية التي دعت إلى تنصيب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا في أسرع وقت ممكن.
خطاب فؤاد السنيورة: للخروج من المأزق الذي وصلت إليه الأوضاع في لبنان، عرض رئيس الحكومة اللبنانية على حزب الله مبادرة من عدة بنود، معلنا أن القرارين المثيرين للجدل والمتعلقين بشبكة اتصالات حزب الله لم تصدرهما الحكومة بعد، وأنهما أصبحا في عهدة رئاسة الجيش اللبناني للحسم فيهما، كما دعاه إلى سحب فوري لمسلحيه من الشوارع وإنهاء كافة مظاهر التسلح، وإعادة الحياة في بيروت إلى طبيعتها.
وفي ذات السياق، اتهم الجيش اللبناني بالتقصير في مهامه، حيث جدد مطالبته بالتحرك لنزع كافة مظاهر التسلح من الشوارع، وفض الاعتصامات وإزالة الخيام من وسط بيروت، طالبا من قيادة الجيش والأمن حماية المؤسسات والشوارع في لبنان، واعتبار أي تواجد مسلح خارج المؤسسة العسكرية اللبنانية مخالفا للقانون. وطرح أيضا مقترحا يقضي اعتبار القضاء هو الدائرة الانتخابية المقبلة، مع ترك بحث بقية التفاصيل لمجلس النواب، كما دعا إلى الاتفاق على رئيس توافقي للبلاد تمهيدا لتشكيل حكومة وحدة وطنية.
التصعيد على الأرض .. استسلام الحكومة أو استلام السلطة بالقوة
اندلعت اشتباكات دامية بين أنصار الفرقاء بعد دقائق من مؤتمر صحفي للأمين العام لحزب الله أوقعت عددا من القتلى والجرحى تضاربت الأنباء بشأن عددهم، وسقطت بيروت الغربية بيد المعارضة، التي اعتبرت التطورات الميدانية انقلابا للسحر على الساحر وجاءت عكس توقعات السلطة فيما تواصل التصعيد السياسي برفض المعارضة ممثلة بحزب الله وحركة أمل مبادرة زعيم تيار المستقبل سعد الحريري لحل الأزمة.
وقد اتهم تيار المستقبل عناصر مسلحة في حزب الله أثناء اجتياحه الكامل باقتحام مراكز تابعة له تعنى بالعمل الاجتماعي في عدد من أحياء بيروت، كما قامت القوى الأمنية اللبنانية بإجلاء موظفي المؤسسات الإعلامية التابعة لتيار المستقبل "تلفزيون المستقبل وإذاعة الشرق وجريدة المستقبل" حرصا على سلامتهم في وقت صرح فيه رئيس مجلس إدارة التلفزيون أن عناصر من حزب الله قطعت كبلات البث وصادرت بعض الأشرطة المصورة، مما دفع إلى انتشار مكثف للجيش اللبناني في محيط مبنى التلفزيون ومقر إقامة النائب وليد جنبلاط.
أعاد الجيش اللبناني فتح طرق رئيسية خارج بيروت كانت عناصر مؤيدة للحكومة قد قطعتها ومنها الطريق الدولية التي تربط شمال لبنان بالحدود مع سوريا، والطريق التي تربط بيروت بجنوب لبنان والتي كان مؤيدون للأكثرية قد قطعوها الخميس، وإذ شهدت المناطق الحيوية للقيادات سياسية مواجهات حامية، فقد قام كل من تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي بتسليم مراكز حزبية تابعة لهما في أنحاء متفرقة في العاصمة إلى الجيش اللبناني، في الوقت الذي حث فيه حزب الله أنصاره على عدم التعرض للمباني الحكومية أو التقدم نحو المناطق المسيحية من العاصمة بيروت.
التداعيات المتسارعة للعنف الذي ضرب العاصمة بيروت وامتد خارجها في مناطق الموالاة، في ظل بقاء الأقلية المسيحية خارج الاشتباك الذي تزايد على إيقاع سني شيعي، جعل قوى 14 آذار تناشد العرب والمنتظم الدولي للضغط على المعارضة، وتدعو الجيش إلى الاضطلاع بالواجبات الأساسية في حماية أرواح المواطنين وحقن الدماء ووضع حد للانفلات، وتعتبره انقلابا دمويا ضد الدستور واتفاق الطائف وميثاق العيش المشترك والقرارات الدولية يستهدف لبنان كله، ويرمي إلى إعادة سوريا إلى لبنان وإيصال إيران إلى المتوسط، كما اعتبرت هذا التدهور الأمني محاولة أسقطت شرعية سلاح حزب الله ونزعت عنه صفة السلاح المقاوم.
بعد وضع القرارين المتعلقين بجهاز أمن المطار وشبكة الاتصالات السلكية في عهدة الجيش واعتبار أنهما لم يصدرا عن الحكومة، أعلنت قيادة الجيش في بيان لها إبقاء رئيس جهاز أمن المطار العميد الركن وفيق شقير في وظيفته، وأنها ستتعامل مع شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله بطريقة لا تضر بالمصلحة العامة وأمن المقاومة، كما طلب من جميع الفرقاء منع المظاهر المسلحة وسحب المسلحين وفتح الطرقات.
وفي أول رد فعل على القرار رحب زعيم تيار المستقبل سعد الحريري بقرار قيادة الجيش، واعتبره مفتاحا لباب المعالجة، كما رحبت المعارضة ببيان الجيش اللبناني وشرعت في إلغاء المظاهر المسلحة في بيروت، لكنها قررت مواصلة العصيان المدني، لكن هذا الهدوء في أعقاب ثلاثة أيام من الاشتباكات بدده اتهام حزب الله في بيان خاص لعناصر من الحزب التقدمي الاشتراكي بخطف ثلاثة من كوادره وإعدام اثنين منهم رميا بالرصاص وطعنا بالسكاكين بينما لا يزال مصير الثالث مجهولا، واسترسل العنف في امتداده إلى مدينة صيدا جنوب لبنان ومنطقة عكار في شمالها.
وكانت مدينة طرابلس مسرحا لأعنف المعارك التي شهدتها الساحة اللبنانية بعد هدوء عم بيروت ونتج عن تسليم السيطرة في شوارعها إلى الجيش، حيث اقتحم مقاتلون موالون للحكومة مكتبا للحزب القومي السوري الاجتماعي في قرية حلبا بالمدينة، وقاموا بإحراق مبنى الحزب، ومقر حزب البعث، كما سيطروا على مقرات لحزب الله والتيار الوطني الحر.
مقالات ذات صلة بالملف اللبناني:




31