كوسوفو ... الجذور التاريخية وتداعيات المستقبل

ـ السياق التاريخي
ـ إلى إعلان الاستقلال
ـ ملامح للمستقبل
بعد مظاهرات سلمية في ثمانينيات القرن الماضي، وتضحيات دموية في تسعينياته، وعلى منصة برلمان الأرض الحبيسة، تحول يوم الأحد 16 فبراير 2008 حلم الأغلبية الألبانية في إقليم كوسوفو بالاستقلال عن صربيا إلى حقيقة على أرض الواقع، حيث أعلن قادة الإقليم ولادة أحدث دولة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، و ما تزال نشوة هذا القرار التاريخي تواجه تباينا في المواقف الدولية بين الاعتراض والترحيب. فهل ينهي نتاج قرن من محاولات الاستقلال حلم صربيا الكبرى، وبالتالي تلافي شبح سيناريو الحرب في اتجاه أن يصبح كوسوفو دولة قائمة الذات بدعم غربي لافت في مساره السياسي دون التفات لأهميته كجوهر ثقافي وتاريخي للصرب؟.
السياق التاريخي
تعتبر كوسوفو وجها بارزا من أوجه صراعات النظام الدولي الجديد الذي ولد من رحم الحربين العالميتين، وقضيتها صنعت وفق النموذج الذي صيغت به المنطقة العربية على ضوء سايكس بيكو ووعد بلفور ... فمنذ العشرية الثانية من القرن العشرين حين تشكلت منطقة البلقان، وعهود السيطرة الكنسية فالشيوعية إلى ما بعد تفكك الاتحاد اليوغوسلافي تشهد على أن المنطقة كانت وما تزال مسرحا سياسيا وعسكريا للقوى الدولية الكبرى المتنفذة؛
كوسوفو إقليم تديره حاليا الأمم المتحدة، تحيط به صربيا والجبل الأسود ومقدونيا وألبانيا، عاصمته بريشتينا، وكان يسمى في الماضي "داردانيا" أي أرض الكمثرى؛ هرمه السكاني بقاعدة شبابية عريضة يقدر تعداده السكاني بحوالي مليونين، 90% منهم ألبان جلهم مسلمون، و5% صرب، و5% قوميات وأعراق أخرى، غالبيتهم يعيشون في عتبة الفقر، وتبلغ نسبة البطالة بينهم 40%؛ تضاريسه الممتدة على مساحة تتجاوز العشرة آلاف كيلومتر مربع، تشكل فسيفساء طبيعية من السهول الخضراء المحاطة بالجبال والتلال، وتجري فيها أربعة أنهار؛
تحكي صفحات التاريخ القديم أن الألبان قدموا من شمال القوقاز واستوطنوا البلقان وكونوا دولتهم "المملكة الألبانية"، وانتشر الإسلام بينهم قبل ظهور الدولة العثمانية بمائتي عام، وتمخض عن سقوط الحكم العثماني ولادة دولة صربيا عام 1876م وميلاد الدولة الألبانية عام 1878م، واستمر الكر والفر بين العثمانيين والألبان / الصرب من أجل السيطرة على الأراضي التاريخية البلقانية؛
خضع كوسوفو للحكم التركي طيلة خمسة قرون منذ أن فتحها السلطان العثماني مراد الأول عام 1389م، وآل إلى صربيا بعد سلسلة من المؤتمرات الدولية أهمها سان ستيفانو، وبرلين، ولندن، وباريس، في عشرية الحرب العالمية الأولى، لينتهي به المطاف في الحرب العالمية الثانية تحت نفوذ ألبانيا التي كانت خاضعة بدورها لإيطاليا، وتمت إضافته إلى يوغوسلافيا الاتحادية سنة 1946م، ليعيش وفق دستورها حكما ذاتيا على غاية نهاية سبعينيات القرن الماضي.
ألغى الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش الحكم الذاتي لألبان كوسوفو سنة 1989م، فأعلنوا انفصالهم في استفتاء يوليوز 1990م ونظموا عصيانا مدنيا حينذاك، لينتخبوا الأستاذ الجامعي إبراهيم روغوفا زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي الألباني رئيسا لجمهوريتهم التي لم تعترف بها صربيا، لكن فشله في حشد الاعتراف الدولي دفع بالشباب الألباني إلى تأسيس جيش تحرير كوسوفو الذي دخل في صراع مع الجيش الصربي، فصار المدنيون الألبان ضحايا بالجملة للمجازر الوحشية للجيش الصربي، مما أجبر المجتمع الدولي على التدخل.
في فبراير 1999م رعى حلف شمال الأطلسي (الناتو) مفاوضات بين الألبان والصرب، انتهت إلى موافقة الطرف الألباني على الخطة الدولية لإحلال السلام القاضية بوضع كوسوفو تحت إدارة الأمم المتحدة، لكن رفض الصرب للخطة دفع قوات الناتو في مارس من نفس السنة إلى شن غارات جوية تواصلت لمدة 48 يوما لتجبرهم على الانسحاب من كوسوفو، هذا التحرر كان ثمنه غاليا، فوفقا لإحصائيات لجنة حقوق الإنسان الكوسوفية فقد قتل أكثر من 12 ألف ألباني ودمر 128 ألف بيت، وفقد أكثر من 3200 ألباني، واغتصبت أكثر من 3000 فتاة وسيدة، كما عذب عشرات الآلاف في معسكرات جماعية. وعقب انتهاء هذه الحرب العرقية، أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1244 ووضع بموجبه إقليم كوسوفو تحت إدارته، تسهر عليها قوة دولية عسكرية وهيئة مدنية:
القوة الدولية تعرف باسم "كيفور" تتألف من خمسين ألف جندي، ينتمون إلى 39 دولة، ويتوزعون على خمس مناطق تتولى قيادتها خمس دول، هي: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وتتلخص مهامها في ضمان الأمن، مراقبة الحدود، تسهيل عمليات الإغاثة الإنسانية، دون تحديد لجدول زمني للانتهاء من هذه المهام؛
أما الشؤون المدنية فتديرها هيئة متخصصة تعرف باسم "أونميك" يترأسها ممثل عن الأمم المتحدة، يعد هو الحاكم الفعلي لكوسوفو، ودورها تنفيذي، وهي أشبه بإدارة انتقالية في إطار حكم ذاتي ريثما يتم التوصل إلى صيغة نهائية للحكم، وتنقسم هذه الإدارة المدنية إلى أربعة أفرع: فرع الأمن، ويتولى مسؤوليته ألفان وخمسمائة رجل شرطة، قدموا من بلدان مختلفة، فرع المساعدات الإنسانية، وتتولاه المفوضية العليا للاجئين، فرع بناء المؤسسات وترسيخ الديمقراطية، وهو تحت إشراف منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، فرع الاقتصاد، ويتحمل مسؤوليته الاتحاد الأوروبي. هذه الإدارة المختلفة تمارس عملها بالتعاون مع حكومة محلية مؤقتة تم تشكليها إلى حين إجراء انتخابات عامة في البلاد، وبالتنسيق مع ما يزيد عن ثلاثمائة من المنظمات غير الحكومية.
ورغم ذلك، ما تزال كوسوفو تئن تحت وطأة مشاعر الكراهية والحقد الدفين المتوارث بين الأقلية الصربية والأغلبية الألبانية، وهو ما يهدد فرص السلام المتتالية بعدم الاستقرار، ويفاقم من حدة هذا المعطى تخلي العالم الإسلامي عنها حيث لا تتجاوز مساهمته فتاتا يصطلح عليه المساعدة الإغاثية.
إلى إعلان الاستقلال
على إثر تبني برلمان كوسوفو في نونبر 2005 لقرار ينص على إقامة دولة مستقلة، شرع في دجنبر الموالي الرئيس الفنلندي السابق مارتي اهتيساري المفوض من قبل الأمم المتحدة، في مهمة تحديد وضع نهائي لكوسوفو، فانطلقت في 20من فبراير
في العشرين من يوليوز 2007، وتجاوزا للعراقيل التي تضعها روسيا أمام مجلس الأمن بالاعتراض على التصويت لصالح الخطة، كلفت مجموعة الاتصال التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وألمانيا وايطاليا وفرنسا، لجنة ثلاثية (ترويكا أميركية روسية أوروبية) تعمل من أجل التوصل إلى تسوية بين ألبان كوسوفو والصرب، لكن بحلول العاشر من دجنبر من نفس السنة أعلنت الترويكا فشل المفاوضات بين الجانبين، وقررت في الرابع عشر منه إرسال بعثة مدنية وأمنية إلى كوسوفو.
واعتبرت خطة أهتيساري أن من حق إقليم كوسوفو أن يكون له دستور ونشيد وطني، وأن يخضع مدة 120 يوما لإشراف دولي دون أن تشير بصراحة إلى الاستقلال، فناورت صربيا سياسيا بالتحذير من أن الاستقلال سيشكل انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ويزعزع استقرار المنطقة، كما أعلنت استعدادها للتخلي عن رغبة الانضمام للاتحاد الأوروبي إذا كان ثمن ذلك هو انفصال هذا الجزء من أراضيها، ولوحت باستعمال إمدادات الطاقة الكهربائية القادمة من أراضيها لتغذية الإقليم كعامل ضغط حائل دون تمكين الإقليم من مبتغاه، وتعهدت أيضا بخفض مستوى التمثيل الديبلوماسي مع الدول التي ستعترف بالاستقلال.
وبعد فوز الزعيم الصربي المتشدد تومسلاف نيكوليتش في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة التي جرت يوم 20 يناير 2008، والذي صرح بتخلي صربيا عن الاتحاد الأوروبي إذا ما أيد إعلان كوسوفو استقلالها، صار الطريق إلى الاستقلال شائكا، وزاد من صعوبة موقف ألبان كوسوفو الاعتراض الروسي وإعلان موسكو اعتزامها استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي إذا تطلب الأمر ذلك، حيث تعتبر موسكو الاستقلال بمثابة خطوة غير شرعية وغير أخلاقية، وتدعو إلى استمرار المفاوضات حتى يتم التوصل إلى اتفاق يرضي سكان الإقليم من صربيين وألبان.
ودخل إقليم كوسوفو التاريخ يوم الأحد 16 فبراير 2008 دولة مستقلة، وصوت البرلمان في جلسة طارئة واستثنائية في بريشتينا على قيام دولة كوسوفو ديمقراطية حرة مستقلة متعددة الأعراق بـ 109 صوتا من إجمالي 120 نائبا حاضرا، وقرأ رئيس الوزراء هاشم تاتشي -في لحظة انتصب لها وقوفا جميع أعضاء برلمان كوسوفو ومواطنو الإقليم- وثيقة إعلان الاستقلال.
جاء في وثيقة إعلان الاستقلال التي تتضمن 12 بندا أن إقليم كوسوفو مستقلا سيساهم في إرساء السلام والاستقرار، وأنه سيقوم على أساس خطة اهتيساري، كما أن كيان كوسوفو لن يكون إلا مجتمعا ديمقراطيا علمانيا متعدد العرقيات، وسيستقبل وجوداً دولياً مدنياً وعسكريا، حيث سيتولى المسئوليات الدولية ويضمن أمن حدود الدول المجاورة ويحظر استخدام القوة لتسوية الخلافات، كما سيضمن الاستقرار والسلام في المنطقة، وكذا حماية الإرث الثقافي والديني؛ وتلا إعلان الاستقلال تقديم رئيس البرلمان يعقوب كراسنيكي علم كوسوفو إلى البرلمان، ويظهر العلم رسما للإقليم باللون الأصفر على خلفية زرقاء داكنة وعليه ست نجمات، وكان إقليم كوسوفو يعتمد العلم الألباني، الذي يحمل صورة نسر أسود برأسين على خلفية حمراء.
وفور إعلان الاستقلال هددت الخارجية الروسية بالاعتراف بإقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية المطالبين بالانفصال والاستقلال عن جورجيا، ولم تكتف بذلك بل أشارت إلى أن الدعم الغربي لاستقلال كوسوفو والسعي لفصله عن صربيا من شأنه تشجيع القوميات الأخرى المشابهة كما هو الشأن في إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان، وكذلك الحال بالنسبة لإقليم الباسك في إسبانيا والقبارصة اليونانيين المطالبين بالانفصال عن القبارصة الأتراك.
أما الولايات المتحدة فقد سارعت بالترحيب بالاستقلال واعتبرته مهما لإنهاء الصراع ولاستقرار منطقة البلقان، ودعت في الوقت ذاته حكومة بريشتينا إلى احترام حقوق الأقلية الصربية في كوسوفو، أما الدول الأوروبية ذات الثقل مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا فقد سارعت إلى الاعتراف بهذا الاستقلال والترحيب به، كما كانت ألبانيا أول المهنئين والمعترفين بالاستقلال، ولم يمنع هذا الترحيب إعراب دول أخرى مثل إسبانيا ورومانيا واليونان وسلوفاكيا عن تحفظها خشية امتداد عدوى المطالبة بالاستقلال إلى بعض الأعراق والأقليات التي تعيش في أراضيها.
ودعت روسيا مجلس الأمن إلى الالتئام من أجل التوصل لقرار بشأن كوسوفو فور إعلان استقلاله، حيث فشلت في إقناع الدول الخمسة عشر الأعضاء في المجلس ببطلان قرار الاستقلال الأحادي الجانب، كما اكد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في ختام هذا الاجتماع الطارئ أن بعثة الأمم المتحدة في كوسوفو (مينوك) ستواصل اعتبار القرار 1244 بمثابة الإطار الشرعي لمهمتها وستواصل القيام بهذه المهمة.
وقبل يوم من الإعلان وافق الاتحاد الأوروبي على بعثة أمنية وقضائية من 1800 فرد تحل خلال أربعة أشهر محل البعثة الأممية بالإقليم، مهمتها بناء أجهزة الشرطة والعدالة والجمارك، إضافة إلى حفظ الأمن الذي يقف عليه 700 شرطي مدربون على مواجهة الشغب والمظاهرات. وسيكون الدبلوماسي الهولندي بيتر فايث ممثل الاتحاد الأوروبي في كوسوفو، والجنرال الفرنسي إيف دو كيرمابون قائدا للبعثة التي توقع مسؤولون ارتفاع عدد أفرادها إلى 2000، يدعمهم 1000 خبير آخر من خارج الاتحاد.
هذه البعثة التي أطلق عليها اسم يوليكس كوسوفو تعتبر أكبر بعثة مدنية بتاريخ الاتحاد الأوروبي. وتهدف لتوجيه المؤسسات هناك وتقديم النصح لها بكل المجالات المرتبطة بدولة القانون وإقامة نظام قضائي مستقل ومتعدد الإثنيات فضلا عن شرطة متعددة الإتنيات. وستكون ألمانيا وإيطاليا المساهمان الرئيسيان بهذه المهمة التي سيشارك فيها أيضا ألف موظف محلي، وإضافة إلى كل الدول الأعضاء باستثناء مالطا -لأسباب لوجستية- ستساهم دول أخرى هي تركيا والولايات المتحدة وكرواتيا والنرويج وسويسرا. وتستمر مهمة يوليكس التي منحت ميزانية قدرها 205 ملايين يورو للأشهر الـ16 الأولى من عملها، لفترة 28 شهرا. لكن الاتحاد الأوروبي ينوي تقييم المهمة بعد ستة أشهر على نشرها أي نهاية العام 2008. ويتوقع الدبلوماسيون الأوروبيون أن تبقى كوسوفو تحت رقابة دولية "من خمس إلى عشر سنوات".
وطعنت روسيا وصربيا اللتان تعارضان استقلال كوسوفو في البعثة بحجة أنها دون تفويض أممي، ووجهت بلغراد احتجاجا رسميا إلى الاتحاد الأوروبي معتبرة قراره غير قانوني، كما سارع الزعماء الصرب في كوسوفو إلى وصف مهمة البعثة الأوروبية بالاحتلال. لكن مسؤولا في المفوضية الأوروبية قال إن القرار 1244 -الذي تبني في 1999 بعد عمليات قصف نفذها الناتو طردت القوات الصربية من الإقليم- يوفر أساسا قانونيا للبعثة الأوروبية التي أطلق عليها بعثة حكم القانون.
ورغم احتمال ضعف موجة الاعتراف الدولي الكامل باستقلال الإقليم، فقد بدأ الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي تحضير مؤتمر مانحين، رجح مصدر في المفوضية التئامه في يونيو المقبل.
ملامح مستقبلية
الإعلان عن الدولة الجديدة صار حديث مختلف الوسائط الإعلامية، ورقعة الاعتراف الدولي بقيام الكيان الجغرافي والسياسي الجديد آخذة في الاتساع، فهل تستطيع الدولة الجديدة أن تحقق ذاتها اقتصاديا؟ خصوصا وأن مصيرها المرتبط بالاستقرار الأمني مرتهن بتدفق الاستثمارات الأجنبية، التي لن تنجذب في ظل ضعف البنية التحتية والاقتصادية الناجمة عن حرب القرن الماضي، أم أن مستقبلها الذهبي سيقذف بـ 30% من فقراء كوسوفو إلى تحت خط الفقر المذقع.
من جهة أخرى، يعتبر نمو الدخل القومي في الإقليم الأدنى بين دول المنطقة حيث يصل إلى 3% فقط، وبلغت واردات كوسوفو لعام 2007 نحو 1.3 مليار يورو نصيب صربيا منها 15.5%، أما الصادرات فارتقت إلى مائة مليون يورو بعد أن كانت خمسة ملايين فقط في عام 2003، ويعيش خمس سكان كوسوفو على تحويلات الألبان المهاجرين في الخارج حيث هاجر أكثر من 400 ألف ألباني إلى دول أوروبا الغربية في عهد الرئيس الراحل سلوبودان ميلوسفيتش حيث كانت الوظائف في كوسوفو قاصرة على الصرب الذين كانوا يشكلون أقل من عشرة في المائة آنذاك.
من جهة ثالثة، يتوقع من صربيا أن تشرع في نهج الحصار الاقتصادي بإغلاق الحدود الشمالية، وحرمان كوسوفو من الاتصال الدولي عن طريق خطوط الهواتف الأرضية، وقطع الإمدادات الكهربائية النابعة من جنوبها وشمال كوسوفو ذي الأغلبية الصربية، فأية بدائل سينهجها الألبان الجدد؟ خاصة وأنهم يعولون على مؤهلاتهم الذاتية المتمثلة في الثروات الطبيعية من المناجم والصناعات المعدنية.
في سياق آخر، هل ستسكت روسيا عن الاستقلال تحت الإشراف الدولي المدعوم أمريكيا واوروبيا؟ وهل سيقبل مجلس الأمن بإرسال بعثة أوروبية أمنية ومدنية دون غطاء قانوني يتمثل في قرار منه؟، مؤشرات التفاؤل في مقاربة الجواب لا تلوح في الأفق المنظور، خصوصا وأن الألبان الجدد يصرون على عدم مواصلة المفاوضات، ويسعون لاستيعاب البلديات الصربية الشمالية التي لم تتضمنها خطة أهتيساري، في إطار خطة أمنية محكمة للسيطرة على أية محاولة لزعزعة الاستقرار، قد تأتيها جماعة "حرس الملك لازار" والجيش القومي الألباني المنشق عن مليشيا جيش تحرير كوسوفو.
حمى الاستقلال تتجاوز كوسوفو لتأخذ بعدا إقليميا واسعا، حيث يلوح بالانفصال كل من صرب البوسنة، وألبان مقدونيا، وألبان الجبل الأسود، وأيضا ألبان الجنوب الصربي المهمشين، والأقلية المجرية في إقليم فويفودينا شمال صربيا التي تعاني من التمييز العنصري، فهل ستصبح المنطقة أمام مشروع جديد اسمه ألبانيا الكبرى؟، كما تخشى حكومة الشطر اليوناني في قبرص من أن الاعتراف بدولة كوسوفو قد يشكل دعما لقضية الانفصاليين من القبارصة الأتراك، إضافة إلى امتعاض الصين من النزعات الانفصالية لكل من تايوان والتيبت.
وفي تطور يبرز العناد الروسي المعارض لخطوة كوسوفو الاستقلالية، فقد نهجت موسكو ديبلوماسية الطاقة الموجعة من خلال وقف الإمدادات النفطية لألمانيا التي تتزود بثلت احتياجاتها.
سؤال آخر يطل باستفهامه من جبة حمو رابي، ويتعلق بمدى مشروعية ما يصنع بكوسوفو بمفهوم القانون الدولي؟، حيث صارت تنجلي بوضوح معالم اللعبة العبثية بالشرعية الدولية التي أمست مبتذلة في عيون الفقهاء والقانونيين، وإن كان استقلال كوسوفو حق ثابت قائم على حق تقرير المصير فلا يصح النظر إليه وكأنه حصيلة قرار تتخذه القوى الدولية أو تمنعه، بمنطق القوة أو بأسلوب المساومات، خصوصا إذا نحا نحو التوحد مع ألبانيا.
هذا التطور السريع المتلاحق في الأحداث يرشح المشكلة الكوسوفاوية خلال الأسابيع القادمة إما نحو الانفراج أو نحو مزيد من التأزم.
-----------------------------
المصدر: موقع روسيا اليوم، وكالة أنباء نوفوستي الروسية، موقع الجزيرة نت، وكالة الأنباء الفرنسية، وكالة رويترز، موسوعة ويكبيديا




25