رئاسيات لبنان 2007 ... سياسيون يدمنون الأزمة 2/2

- استمرار الجدل وسط خيارات مفتوحة
- المرشح التوافقي... عقبات في طريقه لم تذلل
- الخطة العربية .. مشروع يترنح نحو التدويل
استمرار الجدل وسط خيارات مفتوحة
منذ البوادر الأولى للاستحقاق الرئاسي، والجدل يدور حول النصاب المطلوب لانتخاب رئيس الجمهورية في ظل تفسيرات مختلفة لنصوص الدستور يطبعها الاعتبار السياسي لا القانوني، وفي هذا الخضم الذي يفتقد لمرجعية تحكيمية ظلت الخيارات المحتملة مفتوحة بين طرفي معادلة الصراع في الطريق إلى قصر بعبدا.
الخيارات المتاحة للرئيس لحود قبل مغادرته سدة الحكم: بالرغم من تأكيده المستمر -في حال تعذر انتخاب رئيس جديد - على رفضه تسليم الرئاسة في نهاية ولايته إلى رئيس منتخب بالنصف زائد واحد، أو إلى الحكومة الحالية التابعة للأكثرية برئاسة فؤاد السنيورة باعتبارها تنتهك الدستور وتضرب عرض الحائط بالميثاق الوطني الذي يحمي لبنان ووحدته، إلا أنه كان يمكنه إصدار مرسوم يعتبر الحكومة الحالية غير موجودة – إشارة إلى استقالة الوزراء الشيعة منها - لمخالفتها أحكام المادة 95 من الدستور التي تنص في البند "أ" بأن تتمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة، كما تخالف الفقرة "ي" من مقدمة الدستور التي تنص على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، فيدعو النواب إلى استشارات تنتهي إلى تكليف أحد السياسيين بتأليف حكومة جديدة. كما يمكنه القيام بهذا التكليف دون إجراء استشارات بسبب الظروف الاستثنائية السائدة.
من جهة أخرى كان بإمكانه العمل بنظرية "استمرارية المرفق العام" الموجودة في القانون الإداري التي تقول إنه "لا فراغ في السلطة"، بحيث يعلن لحود عن استمراره رئيسا بموجبها استنادا إلى الأوضاع استثنائية المتمثلة في عجز مجلس النواب عن انتخاب رئيس جديد، أو انتخابه لرئيس من قبل فئة معيّنة خلافا للدستور، وبذلك يستمرّ لحود في مهماته لحين انتخاب رئيس دستوريّ.
مناورة رئيس الحكومة الأسبق عمر كرامي: يعلن الرئيس لحود عدم وجود حكومة لفقدان الحكومة الحالية لدستوريتها، ويدعو النواب إلى استشارات لتكليف شخصيّة تشكيل حكومة جديدة، فتسمي أكثرية النواب الرئيس لحّود لترؤسها، بذلك يستمرّ لحود في تولي مقاليد الحكم بصورة مؤقتة ريثما يجرى انتخاب رئيس بصورة دستوريّة، وتجدر الإشارة إلى أن الدستور لا يلحظ ضرورة حضور عدد معيّن من النواب لمثل هذه الاستشارات، والأكثرية في هذا الصدد هي أكثر الذين يلبّون الدعوة، ويدور جدل حول أية حكومة هي الدستوريّة لأن الحكومة تتولى مهام الرئيس في حال غيابه.
مبادرة العماد ميشال عون: سبق أن ألمح إلى استعداده للتخلي عن ترشيحه لآخر يحظى بموافقة تياره، حيث أخبر موفد أمين الجامعة العربية هشام يوسف في لقاء معه، إن أتى أحد بفكرة حل لانتخابات الرئاسة مقبولة من كافة الأطراف فلن نقول له نحن أو لا أحد بل نقول الحل مع أي أحد، كما أعلن قبل خلو منصب الرئاسة بيوم واحد عن مبادرة رفعت من حرارة السجال السياسي، واصفا إياها بالإنقاذية حيث يرشح بموجبها مرشحا من خارج تياره لرئاسة الجمهورية لفترة تنتهي بعد إجراء الانتخابات النيابية المقبلة، شريطة تأمين نصاب الثلثين الدستوري لانتخاب خلفه, ويلتزم هذا المرشح مضمون وثيقة التفاهم مع حزب الله, وينتخب من مجلس النواب، على أن يرشح زعيم الأغلبية النيابية سعد الحريري رئيسا توافقيا للحكومة من خارج تياره أيضا وملتزم بالمحكمة الدولية، وطالب أيضا في مبادرته بتشكيل حكومة وفاق ووحدة وطنية نسبية بحسب تكوين المجلس النيابي أي 55% للموالاة و45% للمعارضة، واصفا هذه المبادرة بأنها متوازنة وتحفظ حق الجميع ومخرج مشرف للأزمة بين الأطراف السياسية لاختيار مرشح توافقي خلفا للرئيس إميل لحود، وفي ردها على المبادرة، اعتبرت قوى الموالاة هذا الاقتراح اعتداء على موقع الرئاسة مساسا بالدستور.
الوساطة الدولية: أضحت بيروت مسرحا للزائرين الأوروبيين والعرب بغرض التخفيف من حدة الأزمة، وتقليص شساعة الهوة بين الفريقين في اختيار رئيس توافقي، من خلال الالتقاء بكل من فؤاد السنيورة ونبيه بري وميشال عون وسعد الحريري ونصر الله صفير وسمير جعجع وأمين الجميل، والمساعدة على تطبيع الوضع السياسي والدفع بمرور الاستحقاق الرئاسي وفقا للمعايير الدستورية وفي مواقيتها الدستورية، وهكذا أوفدت أوروبا وزير خارجية البرتغال باعتبارها رئيسة الاتحاد في الفترة الحالية والذي يعتبر المساهم الأول في تعزيز عدد قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان "اليونيفيل"، حيث شددت على أن أوروبا متمسكة أكثر من أي وقت مضى باستقلال لبنان وسيادته وتقف إلى جانب الشعب اللبناني في هذا الظرف العصيب؛
وقاد وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير مساعي الترويكا الأوروبية رفقة الأسباني ميغيل أنخيل موراتينوس والإيطالي ماسيمو داليما لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء في منحى انتخاب الرئيس اللبناني المقبل بغالبية النصف زائد واحد، معلنا عن انفتاح بلاده بشكل أكبر على سوريا إذا احترمت سيادة لبنان، ولم تقف حجر عثرة في وجه الانتخابات الرئاسية، وتقدم بمبادرة تقضي بتقديم البطريرك نصر الله صفير للائحة بمرشحي الرئاسة، تحال إلى رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برى وزعيم تيار المستقبل سعد الحريري، حيث طالب القيادات السياسية بتغليب المصالح الوطنية على المصالح الطائفية والشخصية، وعقب تسليم القائمة التي ضمت ستة أسماء هي مرشح المعارضة ميشال عون ومرشحا قوى 14 آذار بطرس حرب ونسيب لحود، بالإضافة إلى المرشحين روبير غانم وميشال إده وميشال خوري، هدد كوشنير بكشف الأطراف التي تعرقل مبادرة بلاده وحملها مسؤولية زعزعة الاستقرار؛ وتكثيفا لهذه المساعي أجرى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي محادثات هاتفية مع نظيره السوري بشار الأسد بشأن الأزمة التي لا تزال تراوح مكانها؛
وتباحث الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في زيارته إلى بيروت مع القادة اللبنانيين سبل حل الأزمة الرئاسية، وشدد على وجوب انتخاب رئيس قادر على تمثيل جميع اللبنانيين دون تدخلات أجنبية، وملتزم باتفاق المصالحة والدستور والشرعية الدولية، كما حذر من وقوع تطورات خطيرة إذا لم تجر الانتخابات بموعدها؛
على جانب آخر، اتهمت سوريا الأغلبية النيابية اللبنانية بالعمل على تحويل لبنان إلى محمية إسرائيلية وتعطيل الجهود لانتخاب رئيس توافقي، كما اتهمت الولايات المتحدة بمحاولة دفع لبنان إلى حرب أهلية لا رابح فيها إلا إسرائيل والمحافظون الجدد ضمن ما تصفه بالفوضى الخلاقة، كما جددت التزامها بعدم التدخل في اختيار الرئيس اللبناني الجديد؛
الأزمة اللبنانية لم تسلم من حشر الولايات المتحدة لأنفها في خضمها، فقد زار بيروت مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفد وولش، وأكد على دعم واشنطن لتسريع إجراء الانتخابات الرئاسية، مصعدا اللهجة ضد المعارضة التي حملها مسؤولية تعطيل الانتخابات. ودعا في تصريح لوسائل الإعلام رئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى تحمل مسؤولياته والسماح للبرلمان بالاجتماع والتصويت؛
وبين بيروت ودمشق حاول الأمين العام للجامعة العربية جاهدا إنتاج إكسير التوافق الذي يصطدم بجدار "الفيتوات" المتبادلة بين الأكثرية والمعارضة، بالرغم من إشادته بالمحادثات الجارية بين الأطراف الفاعلة في الملف، إلا أنه يعود بخفي حنين في كل مرة دون أن يتمكن من جسر الهوة التي ترتفع درجة حرارتها باستمرار الخلاف بين الفرقاء وازدياد المخاوف من وقوع اضطرابات في البلاد؛
عدم انتخاب رئيس حتى الآن خلف تفاعلات خطيرة على الساحة اللبنانية والدولية، فلبنانيا سيولد شغور منصب الرئاسة شعورا لدى فريق 14 آذار بضرب فريقه المسيحي، كما سيبدو أن رئيس الحكومة السني استحوذ على صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني مما سيعزز وجهة نظر خصوم 14 آذار لاسيما العماد ميشال عون، ودوليا أدت إطالة أمد الأزمة إلى إعادة فتح الباب لسوريا للتدخل في الشأن اللبناني من خلال توجه الوسطاء العرب والأجانب إلى دمشق، وعلى ما يبدو أن هؤلاء الوسطاء قد ثبت لديهم الانطباع بأن اللبنانيين لا يمكنهم أن يحكموا أنفسهم، فما من آليات تكبح سوريا أو أي دولة أخرى كفرنسا بالتدخل في الشؤون الداخلية، والموالاة والمعارضة على السواء يغالون في مطالبهم، فالمعارضة متهمة بتنفيذ ما تطلبه منها سوريا التي لا تريد حلاً في لبنان ما لم يتراجع عن إقرار المحكمة الدولية، في حين أن قوى 14 آذار متهمة بتنفيذ السياسة الأميركية.
وفي ظل مخاض اللحظات الأخيرة، والانتخاب الرئاسي في تسابق محموم بين التوافق وعدمه، يزداد الاحتقان السياسي تدهورا ليتطاير لهيبه على صعد أخرى، فقد يتوجه البلد من جديد إلى معركة الشوارع والمسيرات والمسيرات المضادة، دون أن يصل اللبنانيون إلى حرب أهلية، فالمأزق الأخطر اليوم هو الأزمة الاقتصادية التي تتفاقم يوما بعد يوم ولن يزيدها عسر المخاض إلا تأزما.
المرشح التوافقي .. عقبات في طريقه لم تذلل
بدأت مبشرات الانفراج في أزمة انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية تلوح بالخروج من عنق الزجاجة بعد أن توافق الطرفان على ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان للمنصب، حيث اتفقا على تذليل الصعوبات الدستورية التي تحول دون توليه مقاليد كرسي الحكم، إذ يتطلب انتخابه تعديلا دستوريا يسقط حظر ترشح موظفي الدولة البارزين لمناصب عليا.
وما يثير الانتباه، وقد تجاوزت مدة الفراغ الرئاسي الشهرين وتأجلت جلسة انتخاب الرئيس للمرة الثانية عشرة على التوالي، أن الغالبية الحاكمة كانت تتحفظ فيما مضى على وصول عسكري إلى منصب الرئاسة أو تعديل الدستور لأجله، وأكثر من ذلك لم تعلن الأكثرية النيابية عن اقتراح تعديل المادة 49 من الدستور اللبناني بشكل رسمي لإفساح المجال أمام انتخاب قائد الجيش بولاية رئاسية كاملة (ست سنوات)، إنما قدم نوابها تصريحات صحفية متفرقة لوسائل الإعلام، مما دفع بقوى المعارضة إلى وصف المبادرة المعلنة بأنها محاولة لجس نبضها قبل الإعلان عنها رسمياً.
ومن العقبات التي تعترض التعديل الدستوري -الذي أصبح يبدو المخرج الوحيد للأزمة- أنه سيمر حتما عبر الحكومة التي تعتبرها المعارضة "غير شرعية"، وهو ما يقتضي أولا التوافق على صيغة تعيد لهذه الحكومة الشرعية في نظر معارضيها، هذه الصيغة قد تكون بعودة الوزراء المستقيلين، أو الإلغاء الجزئي/التام للمادة 49 من الدستور، أو بتعديل يسمح بانتخاب في ظروف استثنائية لمدة سنتين فقط.
لكن التعديل الدستوري تعترضه عقبتين أساسيتين، أولاهما أن المادة 75 من الدستور تعتبر مجلس النواب الملتئم هيئة انتخابية وليس تشريعية وهو ما يعني أن المجلس حاليا غير مخول بأي تعديل دستوري بالرغم من أن التشريع من صلب مهامه، والعقبة الثانية أن الحكومة ليس من صلاحيتها اقتراح تعديل دستوري إلا إذا مارست صلاحيات الرئيس، وهذا يقتضي اعترافا من المعارضة بها، وتبقى الطريقة المثلى لتجاوز العقبتين أن يتقدم بمقترح التعديل عشرة نواب ويتم التوافق على إقراره في المجلس بأغلبية الثلثين لتجنب الجدل القائم حول مدى شرعية الحكومة.
وتجدر الإشارة إلى أن تعديل المادة 49 من الدستور اللبناني التي حددت ولاية رئيس الجمهورية بست سنوات، ومنعت موظفي الفئة الأولى من الترشح لرئاسة الجمهورية قبل تقديم استقالتهم بسنتين، جرى تعديلها ثلاث مرات منذ العام 1995، أولها كان في 19 أكتوبر 1995 كي يتسنى تمديد ولاية رئيس الجمهورية آنذاك إلياس لهراوي لثلاث سنوات إضافية تنتهي في 23 نونبر 1998، وثانيها في 13 أكتوبر1998 لمصلحة قائد الجيش إميل لحود لإفساح المجال أمام انتخابه رئيساً وهو من موظفي الفئة الأولى، وثالثها بتاريخ 04 شتنبر 2004 إفساحاً لتمديد ولاية الرئيس إميل لحود لثلاث سنوات إضافية تنتهي بتاريخ 23 نونبر 2007، واللافت في هذه التعديلات أنها تتشابه في العبارة التي تسبق التعديل وهي "لمرة واحدة وبصورة استثنائية."، وربما يتم استخدام هذه العبارة مجدداً لصالح العماد سليمان، إلا إذا جرى التوافق على إلغاء الفقرة الأخيرة من المادة 49 بشكل نهائي، واللجوء المتكرر للتعديل يعزى لوجود ما هو أسمى مكانة من الدستور، وهو الميثاق الوطني الذي أنهى الحرب اللبنانية.
وهكذا وافت لجنة الإدارة والعدل في مجلس النواب اللبناني - التي يترأسها روبير غانم - رئيس البرلمان باقتراح قانون لتعديل المادة 49 من الدستور لتسهيل انتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية، وطبقا للمادة 77 من الدستور، ينطلق اقتراح قانون التعديل من مجلس النواب بعد أن يوافق عليه ثلثا أعضائه ثم يحال إلى الحكومة التي تقره أيضا بثلثي أعضائها وتعيده إلى مجلس النواب لإقراره.
ويشترط ميشال عون لتعديل الدستور إنجاز تسوية سياسية تقوم على تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء الانتخابات النيابية في موعدها بعد إقرار قانون جديد للانتخابات، لضمان مشاركة متوازنة في الحكم تعكس حجم كتلته البرلمانية التي تعد أكبر كتلة مسيحية في مجلس النواب، وإصرار المعارضة على هذا التفاهم السياسي دفع بزعيم الأكثرية النيابية سعد الحريري إلى رفض مطالبها الرامية إلى الحصول على ما يعرف بالثلث المعطل الذي يضمن لها حق النقض (الفيتو) في الحكومة الجديدة، داعيا لإعطاء رئيس الجمهورية الجديد الصوت الضامن لكل القرارات داخل مجلس الوزراء، فلا تتمتع المعارضة بالثلث المعطل ولا تتمتع الأكثرية بالثلثين الحاسمين، خصوصا وان فريق الأغلبية قدم تنازلين أساسيين متعلقين بتخليه عن مرشحيه للرئاسة نسيب لحود وبطرس حرب، وامتناعه عن انتخاب رئيس للجمهورية بنصاب النصف زائد واحد.
الخطة العربية .. مشروع يترنح نحو التدويل
ولإنهاء حالة التشرذم التي يشهدها لبنان، ومنعا لأي تفسير يسجل انتصارا أو هزيمة لهذا الفريق أو ذاك، أقر وزراء الخارجية العرب مبادرة على أساس " لا غالب ولا مغلوب" تجمع نقاط الاختلاف بين الموالاة والمعارضة في سلة واحدة، وتتألف من ثلاث نقاط تدعو إلى انتخاب فوري لقائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للبنان، والاتفاق الفوري على تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون فيها لرئيس الجمهورية كفة الترجيح في اتخاذ القرارات، وبدء العمل على صياغة قانون جديد للانتخابات.
ورغم إجماع الأطراف اللبنانية المعنية على الخطة العربية التي تبناها وزراء الخارجية العرب وحظيت بموافقة سوريا ولبنان وبدعم إيراني مشروط بنتائج إيجابية على الأرض، ورغم ترحيب الأمين العام للأمم المتحدة بالمبادرة العربية التي تعهدت أوروبا بدعمها، فإن التصريحات الإعلامية لكل طرف كشفت عمق الخلاف على تفسيرها، مما دفع بفرنسا إلى التلويح باللجوء إلى الأمم المتحدة في حال فشل مهمة الجامعة العربية في لبنان، في نفس الوقت الذي دعت فيه السعودية سوريا إلى إقناع حلفائها هناك بقبول مضامين المبادرة.
وأبحرت الخطة العربية التي حملها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى لحل الأزمة اللبنانية عكس المنتظر منها، حيث أغرقها الفرقاء بتفاصيل خلافاتهم وتفسيراتهم لها، فقد فسرت المعارضة البند الثاني المتعلق بتأليف حكومة الوحدة الوطنية بأنه يعني حصولها على ثلث عدد الوزراء بالتركيبة الحكومية الثلاثينية بمعنى عشرة وزراء لكل من الأكثرية والمعارضة والرئيس، بينما أصرت الأغلبية النيابية على موقفها بانتخاب غير مشروط لرئيس الجمهورية قبل بحث التشكيلة الحكومية رافضة الثلث المعطل والمثالثة، هذا التفسير انعكس سلباً على البند الأول الذي يدعو لانتخاب فوري للعماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية مما عطل الخطة بكاملها.
ومع احتدام الخلاف مجددا حول نسب التمثيل في الحكومة، اقترحت الجامعة العربية قاعدة 13 وزير للأكثرية و10 للمعارضة و7 يختارهم رئيس الجمهورية, ووافق فريق الأكثرية مبدئيا على هذه الصيغة، لكن المعارضة تشبثت بالمثالثة في توزيع الحقائب الوزارية (10+10+10) أو الحصول على (الثلث +1 الضامن)، وواقع الحال، أن المبادرة العربية واضحة بما يكفي في فقرتها الثانية التي تتحدث عن عدم الاستئثار وعدم التعطيل، فلا الأكثرية تأخذ النصف زائدا واحدا (في الحكومة المقبلة) ولا المعارضة تأخذ الثلث زائدا واحدا.
إن ما يحول دون تجاوز عقبات الاستحقاق الرئاسي هو غياب الثقة بين الفرقاء من جهة، ومن جهة أخرى، عدم تقديم العرب لضمانات لكلا الطرفين، بحيث إذا انتخبت المعارضة العماد سليمان رئيساً للجمهورية فإنها ستحصل على ثلث مقاعد مجلس الوزراء، وأن سلسلة شروط المعارضة لن تكون على حساب مصالح الأغلبية النيابية، مما يطرح سؤالا عريضا عن المآلات المحتملة للأزمة إن فشلت المبادرة العربية في تجاوز حالة هذا الانقسام السياسي غير المسبوق في التاريخ اللبناني؟.
هذا الانقسام الحاد في صفوف الطبقة السياسية اللبنانية لا يعبر عن موقف دقيق للرأي العام، فالموالاة معها أكثرية نيابية لا تعبر عن الأكثرية الشعبية الحقيقية التي تمثلها المعارضة، وتبقى المحطة الانتخابية القادمة كفيلة بتحديد هوية لبنان: هل لبنان العربي على علاقات جيدة مع سوريا والعرب أم في المشروع الغربي.
المصدر:
§ صحيفة السفير وجريدة النهار اللبنانيتين
§ وكالة الأنباء الفرنسية، وكالة رويترز
§ الجزيرة نت
اضغط للعودة إلى الجزء الأول من المقال




68