رئاسيات لبنان 2007 .. سياسيون يدمنون الأزمة 1/2

- انتهاء ولاية لحود
- الإشكالية الدستورية
- اشتعال فتيل الأزمة
منذ أن تأسس لبنان بين 1918 و1943، قامت صيغته على تسوية "مارونية-سنيّة" راعت مصلحة فرنسا -الدولة الكبرى الراعية لذلك الاتفاق لمتطلعة للعبور إلى الشرق العربي من خلال الوجه الماروني الذي يطل منه الغرب على العالم العربي، والسني الذي يؤمن التواصل مع عمقه التاريخي-، لكن بعد هزيمة 1967، دخل لبنان مرحلة الحروب المفتوحة، أهلية كانت أم مع الخارج الإسرائيلي، مما أنهك صيغة 1943، التي عدلت باتفاق الطائف، وتحولت التسوية إلى ثلاثية "مارونية-سنية-شيعية"، وتقلصت فيه الحصة المارونية بتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح رئيس الوزراء السني، هذه التركيبة التوافقية المؤسسة على نصاب الثلثين كرست الوحدة الوطنية في صيغة العيش المشترك، مما يعني أن أي تفاوض مشابه لأزمة 1988 سيؤدي إلى نتيجة دون المثالثة، ونسف الطائف، وبالتالي تراجع الدور المسيحي وتغير وجه لبنان.
ورغم فشل مجلس النواب اللبناني في تأمين نصاب الجلسات الاثني عشر التي أجلت منذ 25 شتنبر 2007 لانتخاب رئيس جديد للبلاد، إلا أن الزعماء السياسيين اللبنانيين بالتلاقي والتحاور نجحوا في السيطرة على الأوضاع ولو بشكل مؤقت، والحيلولة دون الذهاب إلى مزيد من التدهور السياسي والأمني الناتجين عن التمزق اللبناني الداخلي، والتدخل الخارجي المتعدد في شؤون البلد.
انتهاء ولاية لحود
تباين تقييم فترة حكم الرئيس إميل لحود الممتدة بين 24 نونبر 1998 و24 نونبر2007 ما بين مؤيد لإنجازاته، وخصم لإخفاقاته. فمؤيدوه يعتبرونه أفضل رئيس جمهورية عرفه لبنان، واجه شبكات النفوذ والمال والاحتكارات بصلابة، واذا كان اتفاق الطائف جرد الرئاسة الأولى من صلاحياتها، فان الحكم السوري ساعد لحود على ممارسة صلاحيات فعلية رغم اتفاق الطائف، لكن بعد الانسحاب السوري عري موقع الرئاسة وأصبح الرئيس سجين الطائف في بعبدا، لكنه صمد في وجه الحملة عليه لإخراجه من القصر، فأنقذ معنويا الموقع الرئاسي والوجود المسيحي في لبنان، ولحود الذي أكد مرارا دعمه للمقاومة في لبنان تربطه بها علاقة قوية، حيث يرفض نزع سلاح حزب الله ويتهم بـ"الخيانة" كل من يطالب بنزع سلاح المقاومة والتخلي عنها، مما جعل عهده أهم رئاسة مارونية في تاريخ لبنان. في حين يرى خصومه أنه أسوأ رئيس في تاريخ الحكم اللبناني إذ تميز حكمه بالفساد، وخرق الدستور، والاستقواء بالسوري لتحقيق أهدافهم على حساب لبنان وآمال شعبه.
وفي ما يلي جدول كرونولوجي لرؤساء لبنان منذ الاستقلال:
|
الرئيس |
فترة الحكم |
|
إميل لحود |
من 24/11/1998 إلى 23/11/2007 |
|
إلياس الهراوي |
من 24/11/1989 إلى 24/11/1998 |
|
رينيه معوض |
من 05/11/1989 إلى 22/11/1989 |
|
سليم الحص |
من 22/09/1988 إلى 05/11/1989 |
|
ميشال نعيم عون |
من 23/09/1988 إلى 13/10/1990 |
|
أمين بيار الجمين |
من 22/09/1982 إلى 22/09/1988 |
|
بشير لجميل |
من 23/08/1982 إلى 14/09/1982 |
|
إلياس سركيس |
من 23/09/1976 إلى 22/09/1982 |
|
سليمان فرنجية |
من 23/09/1970 إلى 22/09/1976 |
|
شارل حلو |
من 23/09/1964 إلى 22/09/1970 |
|
فؤاد شهاب |
من 23/09/1958 إلى 22/09/1964 |
|
كميل نمر شمعون |
من 23/09/1952 إلى 22/09/1958 |
|
بشارة الخوري |
من 22/11/1943 إلى 18/09/1952 |
الإشكالية الدستورية
تقاطبت الآراء بين القوى السياسية بشان تفسير المادة 49 من الدستور اللبناني المرتبطة بانتخاب رئيس الجمهورية، حيث نصت في فقرتها الثانية على أن نصاب الجلسة الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية هو ثلثا الأعضاء وأن فوز المرشح فيها يتطلب النسبة نفسها، وإذا لم يتم ذلك ينتخب الرئيس في جلسة لاحقة بالأغلبية المطلقة "النصف + واحد" بدون ذكر نصابها، وتتمتع الأكثرية النيابية بـ 71 مقعدا من أصل مقاعد مجلس النواب البالغة 128 مقعدا ولا يمكنها بالتالي تأمين نصاب الثلثين 86 منفردة إذا قاطعت المعارضة الجلسة.
وتؤكد المعارضة أن النصاب المطلوب لجلسة انتخاب الرئيس هو ثلثا أعضاء البرلمان، فيما ترى الأكثرية أن هذا النصاب صحيح حتى الأيام العشرة الأخيرة قبل انتهاء المهلة الدستورية التي يجتمع خلالها المجلس النيابي حكما، ويمكن حينها انتخاب الرئيس بالأكثرية المطلقة وفق مقتضيات المادة 73 من الدستور. غير أن العرف المرتكز على سوابق جلسات انتخاب رؤساء الجمهورية سواء قبل أو بعد اتفاق الطائف، يدل على أن النصاب الذي اعتمد دائما كان نصاب الثلثين.
وردا على تهديدات المعارضة بعدم تأمين النصاب في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، في حال عدم التوصل إلى مرشح توافقي، أعلنت بعض أركان قوى الأكثرية أن نواب الأكثرية سيجتمعون بالأكثرية المطلقة "نصف + واحد" وينتخبون الرئيس، قبل عشرة أيام من وصول المهلة الدستورية لاختيار الرئيس إلى نهايتها، والتي كانت مقررة في 24 نونبر 2007.
والتاريخ يحفظ للجيش اللبناني تشكيل حكومتين حين تعثر انتخاب الرئيس، ففي سنة 1952 فقد أجبر أول رئيس لجمهورية الاستقلال الشيخ بشارة الخوري على الاستقالة بعد مظاهرات ضخمة على خلفية اتهامه بالفساد وذلك في منتصف ولايته الثانية، وخوفا منه على تفاقم الأمور استدعى قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب وقدم إليه استقالته بعد أن كلفه بتشكيل حكومة عسكرية تتولى إجراء انتخابات رئاسية، وفي سنة 1988 أطلت من جديد تجربة الحكومة العسكرية الانتقالية الثانية، عندما كلف الرئيس أمين الجميل العماد ميشيل عون بتشكيلها حين تعذر انتخاب رئيس يخلفه حيث صارت تواجه حكومة مدنية أخرى برئاسة سليم الحص.
من وجهة نظر أخرى، الرئاسة انتهت، ومجلس الوزراء يخشى أن يسقط، ومجلس النواب عمليا مشلول، فكلّ المؤسسات إما فاقدة للشرعيّة أو مشلولة وهذا ما يعطي شرعيّة لحكومة عسكرية مؤقتة تتولى الحكم ريثما يجرى إحياء المؤسسات، لكن تجدر الإشارة إلى أن رئيس الجمهورية فقد صلاحية العمل بفكرة الحكومة العسكرية في الطائف خلاف واقع الحال أيام الرئيس بشارة الخوري، فالدستور ينص على أن الحكومة مجتمعة تقوم مقام رئيس الجمهورية، وهناك حكومة شرعية تصرّف الأعمال ريثما ينجح انتخاب رئيس في حين يضبط الجيش الأمن، هذه المتاهة السياسية الدستورية لن يوصد بابها إلا بإلغاء الفقرة الأخيرة من المادة 49 بشكل نهائي، وهكذا يتجنب اللبنانيون الوقوع كل مرة في المأزق نفسه.
تراشقت الأطراف السياسية اللبنانية بقذائف دستورية من قبيل: قرارات رئاسية تفتقد للأساس الدستوري، حكومة غير دستورية، مبادرة عون تتجاوز الدستور ..، وكل فريق أمسى يفسر الدستور بما يخدم طرحه السياسي في غياب مؤسسة مستقلة محايدة يتم التحاكم إليها، فمنذ سنتين ولبنان محروم من أهم العوامل المساعدة على الاستقرار القانوني، حيث تم تعطيل المجلس الدستوري بشكل كامل ابتداء من يونيو 2007 إثر صدور القانون المعدل لآلية اختيار أعضائه العشرة، وأزمة المجلس الدستوري أكثر تعقيدا من أزمة انتخاب رئيس جديد، فما إن يخرج لبنان من نفق المرشح التوافقي للرئاسة حتى يدخل في نفق الدستورية وعدم الدستورية إذا أعقب الانتخاب أي طعن، فليس باستطاعة المجلس النظر حاليا في مسالة النصاب المطلوب وبالتالي ليس هناك مرجع لحسم صحة انتخاب الرئيس والبت في النصاب الدستوري اللازم لجلسة الانتخاب هل هو النصف زائد واحد أم الثلثين.
اشتعال فتيل الأزمة
منذ الحرب الأهلية لم تعصف بلبنان أزمة سياسية أسوأ من التي يشهدها الآن، فبعد استقالة ستة وزراء من المعارضة –خمسة شيعة ومسيحي- من الحكومة في نونبر2006, تجذرت معالم الأزمة أكثر بموعد الاستحقاق الرئاسي الذي بدأت مهلته الدستورية في الـ 24 من شتنبر2007.
وحسب نظام تقسيم السلطة في لبنان يجب أن تكون الرئاسة الأولى من الطائفة المسيحية المارونية، لكن السجال احتدم بين فريق السلطة المدعوم أميركيا وسعوديا وفريق المعارضة الذي تسانده سوريا وإيران، ولا يمكن لأي فريق أن يفرض مرشحا له، فالكتلة البرلمانية المؤيدة للحكومة لا تستطيع تأمين نصاب ثلثي أعضاء المجلس في البرلمان والمعارضة سترفض أي انتخاب من دون النصاب الدستوري.
وانطلقت المعركة الرئاسية وسط تباين - مدعم من القوى الخارجية - في الآراء بين الأكثرية الحاكمة والمعارضة، فمواقف فريقي 14 آذار و8 آذار ما تزال متباعدة، ويوما عن يوم تزداد هوة تأمين التوافق بينهما اتساعا، حيث يريد الفريق الحاكم أن يكون الرئيس من بين صفوفه لا من بين صفوف المعارضة التي يعتبرها متحالفة مع سوريا وإيران، في حين لا تريد هذه الأخيرة أن يكون المنصب لصالح تيار الموالاة الذي تعتبره سائرا وفقا أجندة أجنبية، ورغم الوساطات المكثفة بينهما لتقريب وجهات النظر لحل الأزمة، إلا أنها في كل جهد تصطدم بأولويتين متعارضتين:
مطالب المعارضة: لوح فريق 8 آذار بتشكيل حكومة ثانية تحل محل الحكومة الحالية التي لا يعترف بدستوريتها لقيادة البلاد, منذ انسحاب وزرائه منها، مطالبا بحكومة وحدة وطنية حصل فيها على ثلث المقاعد الوزارية مما يمكن من حق الفيتو، قبل أي تصويت بالنصاب الدستوري على الرئيس الجديد الذي يجب أن يحظى بتوافق جميع الأطراف عليه؛ وكان الرئيس اللبناني إميل لحود قد هدد بتشكيل حكومة ثانية إذا لم يتم انتخاب رئيس جديد في الموعد الدستوري، قائلا إنه لن يسلم حكومة الأغلبية النيابية التي يعتبرها غير شرعية صلاحيات الرئاسة. واعتبر لحود أن الحل يكمن في توافق جميع اللبنانيين وانتخاب رئيس وفق نصاب الثلثين يكون مقبولا من الجميع، كما اقترح قائد الجيش ميشال سليمان رئيسا انتقاليا وتوافقيا للخروج من الأزمة.
مطالب الأكثرية الحاكمة: يؤكد فريق 14 آذار على ضرورة اختيار رئيس يلتزم بكل القرارات الدولية، وذلك في إشارة إلى القرار 1959 والمحكمة الدولية المتعلقة بمحاكمة المتورطين في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ويؤكد مسيحيوه على عدم القبول بتعديل الدستور لقطع الطريق أمام أي موظف من الفئة الأولى (قائد الجيش ميشال سليمان أو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة) من الوصول إلى قصر بعبدا، مشددين على أن نصاب الانتخاب هو النصف زائد واحد بخلاف رغبة البطريرك الماروني التي تميل إلى انتخاب الرئيس بأغلبية الثلثين، في وقت لم يتمكنوا من الاتفاق على مرشح وحيد للمطارنة. ويذكر أن الطائفة المسيحية اللبنانية تتشكل من 6 مجموعات كاثوليكية و4 مجموعات أرثودوكسية ومجموعة بروتستانتية؛ ويعترض الفريق بقوة على الرئيس إميل لحود الذي هدد بحل مجلس الوزراء، حيث شدد على عدم توفر رئيس الجمهورية على أية صلاحية دستورية تخوله اتخاذ أي إجراء دستوري بعد انتهاء ولايته، خصوصا وأن الحكومة الشرعية دستوريا موجودة ولم تستقل، وستتولى إدارة الحكم، كما وصف اقتراحه بتكليف قائد الجيش رئاسة حكومة انتقالية بالانقلاب الدستوري.
يتبع في المقال الموالي




4