تـنـامـي حـركـة التـدويـن العـربــــــي

هذه الظاهرة التي ابتدأت أمريكيا وعرفت بالبلوغرز "bloggers" وراجت بشكل لافت وبسرعة قياسية في الوطن العربي، صارت تطرح على لسان مختلف المتدخلين، سؤال الكيف عن بدايتها وتطورها وتفاعلاتها وآفاقها، إذ نشأت بمنطق الترفيه لتتحول إلى صف التغيير المطلوب دون قوانين أو قواعد تحكمها، وأضحت تثير العديد من المتاعب للسلطة السياسية وتقلق أغلب الحكومات، إلى درجة أن تتدخل القوة العمومية من مناهضة الإجرام والحفاظ على أمن وسكينة المواطن إلى تقييد نشاط المدونات وملاحقة المدونين.
الصحافة البديلة أو الصحافة التفاعلية أو الإعلام الجماهيري، وغيرها مسميات ارتبطت بحركة التدوين لتعكس إلى حد كبير المكانة التى أصبحت تحتلها من خلال انتشارها عبر الشبكة العنكبوتية خاصة في ما يصطلح عليه بالصوت الجديد للمعارضة، فبأقلام روادها ومسجلاتهم وآلات تصويرهم سجلوا حضورهم في تفاصيل مختلف الأحداث التي شهدتها العواصم العربية خاصة في ما تعلق منها بالحريات فأصبحوا بحركتهم الدؤوبة على محدوديتها فاعلين سياسيين ونقابيين ذووا ميول وطنية قوية جدا.
ظهر مصطلح blog "اختصار لعبارة web log = التي تعني مدونة الكترونية" إلى الشبكة الافتراضية سنة 1997 كمذكرات أو مفكرات شخصية إلكترونية يستعملها أصحابها لتدوين الأحداث الهامة في حياتهم بالنص والصورة، خاصة المدونين من فئة المراهقين والشباب لتتطور لاحقا إلى وسيلة للتعبير السياسي والديني والاجتماعي ..كما صار البعض منها تجمعا افتراضيا لمحبي هواية معينة أو مهنة أو حتى مشروع علمي، في حين نحت أخرى لدعم الجوانب التقنية في التكنولوجيات المتطورة، لتكون بذلك الفضاء الأرحب للتعبير عن النفس سواء بطريقة إيجابية أو سلبية.
ويعزى الانتشار الواسع للمدونات إلى سهولة إنشائها في أبعادها الثلاثة "النص، الصوت والصورة"، لتعرض شتى أنواع الإبداعات الفنية والأدبية والتعليمية ... في تفاعل تام مع عملية التأريخ الحضاري للعصر الذي تشهد أحداثه لحظة بلحظة دون تقيد بالجغرافيا وبعيدا عن التضييق الرقابي والكلفة المالية لعملية النشر هاته، خاصة وأنها ترتبط بالسياسيات الداعمة للديمقراطية في العالم العربي.
ويهتم كل من الموقعين " تكنورايت، بلوغ هيرالد" بالتطور الرقمي والإحصائي لعملية التدوين، حيث قدما مجموعة من الأرقام وإن كانت متباينة فيما بينها إلا أنها تبقى تعبر عن تنامي التدوين بشكل لافت للانتباه، ففيما يقدر بلوغ هيرالد عدد المدونات في العالم بـ 100 مليون مدونة (منها 700 ألف مدونة إيرانية، و520 ألف مدونة بالفرنسية، وفي الولايات المتحدة بين 30 مليون بلوغ و50 مليوناً، وفي بريطانيا 2.5 مليون بلوغ، وفي الصين ستة ملايين، وفي اليابان 5.5 مليون بلوغ، وفي فرنسا 3.5 مليون بلوغ، مع رقم مذهل لكوريا الجنوبية هو 20 مليون بلوغ)، يعدد تكنورايت مجموعها في 71 مليون مدونة، حيث تظهر يوميا 175000 مدونة جديدة، ويضاف يوميا 1.6 مليون ادراج جديد بما يعادل 18 تعديل في كل ثانية، في حين يتضاءل العدد على المستوى العربي مقارنة بباقي دول العالم بسبب عدم وجود مواقع عربية مختصة تهتم بمثل هذه المعطيات الإحصائية، لكن خدمات موقع google الإحصائية رصدت الاهتمام المتزايد للمواطن العربي بالظاهرة خاصة في المغرب ومصر والسعودية، وأذاع تقرير المبادرة العربية لأنترنت حر رقما نسبيا غير مدقق علميا لعدد المدونات العربية سنة 2006 حيث أحصاها في 40 ألف مدونة.
وعملية مسح سريع لرقعة المدونات تكشف عن ظهور صنف جديد منها بعيدا عن الهوية العربية كشامة سوداء في جبين هذه المسيرة الحافلة، ويتعلق الأمر بمدونات لا هم لها سوى الإباحية ونشر مظاهر العري والخلاعة في تنصل تام من القيم التي تحكم الثقافة العربية، في مقابل مدونين صاروا يضحون بحريتهم من أجل حرية الآخرين، فقد حكم على المدون المصري عبد الكريم سليمان (22 عاما طالب القانون السابق بجامعة الازهر) بالسجن لأربع سنوات بسبب تدوينه لمقالات اتهم فيها المؤسسة السنية المحافظة بترويج الفكر المتطرف ووصف بعض الصحابة بالإرهاب، وقارن بين الرئيس المصري حسني مبارك والفراعنة الذين اتسموا بالدكتاتورية في مصر القديمة. كما تكشف عن منابر للأقليات الدينية والاجتماعية للتعريف بقضاياها، وفي هذا النطاق تم إغلاق مدونة "أقباط بلا حدود" للمدونة هالة (42 عاما) بتهمة الإضرار بالأمن القومي ونشر أخبار كاذبة كما تعرضت للاضطهاد المعنوي والمادي من جانب سلطات الامن لكتابتها عن عدد من الاشتباكات الطائفية بين المسلمين والاقلية المسيحية في جنوب مصر. وهناك من يعتبر المدونات طبعة جديدة للصحف المستقلة بالنظر إلى تحديد المدون للخط التحريري لتدويناته حيث يوجد نوع من الاتفاق الضمني على احترام بعض الأخلاقيات الصحافية في رصد الخبر وتحليله، الأمر الذي يطرح سؤال الاستمرارية على رواد التدوين. ينقص التدوين والمدونون ضبط الإيقاع وتوحيد الجهود وتجميع حبات العرق الإلكتروني لتكون فيضاً يحقق لهم المأرب والهدف !!
وقد قادت عملية تمحيص وتتبع سيرورة تطور المدونات إلى الوقوف على مجموعة من النقط تارة تضاعف من أهميتها وتارة أخرى تحط من قيمتها فتعرقل مسيرة تقدمها، فهي وإن كانت تتمتع بدرجة عالية من حرية التعبير عن الرأي وعديمة التكاليف و تتخلص من قيود القوالب الإعلامية المعتادة، إلا أنها لم تسلم من عدد لا بأس به من المآخذ، فأغلبية المدونين ليسوا مؤهلين للكتابة الإعلامية وجزء منهم ينشر مواد تتعارض مع الدّين وضوابط الأخلاق، وآخرون يفتقرون للقدرة على تأكيد صدقية تدويناتهم، كما يجنح البعض إلى أسلوب الترهيب الفكري عوضا عن انتهاج الحوار المنطقي.
ويطرح الاستمرار في التدوين إلى أقصى ما هو ممكن وفق تصور واضح يؤسس على المسؤوليات الأخلاقية والوطنية والإنسانية المتجذرة في أعماق الحضارة العربية صعوبات جمة، تتمثل في مدى قدرة التزام المدونين عن طواعية بأدبياتها حتى يتسنى لهذا الجيل المعاصر من حاملي مشعر التغيير إغراء مخاطبيه بتتبع إدراجاته وأن تحرز اقتدارهم الذي ينبغي أن يكون محصلة الأفكار السليمة المطروحة بأساليب بلاغية قوية في التعبير وإيصال الفكرة.
إن مهمة صيانة حركة التدوين العربي وتنقيتها مما يعيبها وإزالة الشوائب التي علقت بها تقتضي مأسسة جميع الجهود التي تتوخى أن يعترف المشهد الثقافي والإعلامي بعالم المدونات ويعتد بمصداقيته وبأهمية تأثيره في المحيط العربي، ورغم انطلاق المبادرات التنظيماتية التي من شأنها رعاية مصالح المدونين وتبني قضاياهم وهمومهم من قبيل المدونون لأجل التغيير والبناء، اتحاد المدونين العرب، مرصد المدونين، إلا أن مراجعة مسار التدوين بشكل مؤسسي لم يشرق نورها بعد، وتنتظر من يعلن عن ميلادها...
منشور بموقع اتحاد المدونين العرب




8