رباعـية التنمـية الإنسانـية العـربية

والإصدار المتزايد لتقارير التنمية البشرية إقليميا، جهويا ووطنيا أثبت حسب المهتمين أنه أداة قوية لصياغة سياسات وطنية ناجعة، خاصة في ظل التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتزايدة التي تشهدها المنطقة العربية والتي تتراوح من التصدي للبطالة وتخفيف حدة الفقر إلى تحقيق السلام وتعزيز الأمن الإنساني من جهة، ومن جهة أخرى اعتبرت هذه التقارير بمثابة محفزات هامة للإستراتيجيات والسياسات الوطنية، كما أصبحت مستودعات للبيانات المبتكرة وأدوات لمناصرة قضايا التنمية، ولكنها تظل وثائق غير رسمية وغير صادرة عن البرنامج الإنمائي ولا عن الأمم المتحدة، وبالتالي فهي لا تعبر عن وجهة النظر الرسمية لأي منهما، بل القصد منها تقديم المؤازرة لخطاب دينامي جديد في المجال العام بتعبير واضح وفي إحساس حميمي بالغضب والقلق اللذين يساوران المواطنين عبر المنطقة بأكملها.
وتنطلق سلسلة تقارير التنمية الإنسانية العربية من بعض الاستنتاجات المشجعة والتي تعبر عن تقدم ملموس في التنمية البشرية على مدى العقود الثلاثة الماضية، والتي تتمثل أساسا في: ارتفاع العمر المتوقع عند الميلاد إلى 15 سنة، انخفاض معدل وفيات الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات بالثلثين وتضاعف نسبة البالغين الملمين بالقراءة والكتابة، لكن هذه التحسينات الكمية في مجالي الصحة والتعليم لم تجد طريقها إلى جميع المواطنين بعد، خاصة وأن العالم يعيش تطورات كبيرة متلاحقة بسبب التقدم التكنولوجي السريع في مجال تقنيات الإنتاج والتوزيع والمعلومات والاتصالات في ظل التوجه الدولي نحو الانفتاح والتحرير والعولمة والاندماج في تكتلات اقتصادية عملاقة.
وتتركز مواضيع الرباعية التي صدرت ابتداء من سنة 2002 على مواطني 22 دولة عضو في جامعة الدول العربية تتباين فيما بينها من حيث المساحة والتعداد السكاني والخصائص الطبيعية والايكولوجية والاجتماعية، وفي مستوى الرفاه الإنساني، لكن هذا التباين يحمل بين طياته عنصر تكامل نحو اندماج كلي قوامه امتداد جغرافي مهم وثقافة مشتركة ولغة واحدة ودين واحد.
ومن خلال تشخيصها لأوضاع التنمية في العالم العربي، وتقديم مقترحات تهم معالجة أهم أسباب ترديها، فقد وضعت الرباعية على جدول أعمال الأمة العربية، تحديا جوهريا يتمثل في تجاوز ثلاثة نواقص: نقص القدرات الإنسانية قياسا إلى الدخل، خاصة القدرة المعرفية، نقص الحرية، نقص تمكين المرأة.
التقرير الأول: خلق الفرص للأجيال القادمة
التقرير الأول الذي صدر في أبريل 2003 تحت عنوان "خلق الفرص للأجيال القادمة" كان بمثابة اللبنة الأولى للرباعية، حيث ابتكر مفهوم "التنمية الإنسانية" وأشاعه في بعد أعم من نظيره "التنمية البشرية" كما دقق في المعايير المعتمدة في قياسه، وعرف التنمية الإنسانية على أنها عملية توسيع خيارات البشر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، بحيث تنطوي على دلالات ترتبط محوريا بالقدرات والفرص المتاحة بشكل يضمن التوازن بينهما، وتنظر إلى النمو الاقتصادي نوعا وكما على أنه وسيلة وليس هدفا نهائيا للتنمية، وتضع في الاعتبار مدى تأثير الناس في القرارات التي تشكل حياتهم من حيث صنعها وتنفيذها ومراقبتها وتعديلها لتحسين نتائجها؛ كما يفهم من التنمية الإنسانية على أنها تنمية الناس ببناء القدرات الإنسانية عن طريق تنمية الموارد البشرية، ومن أجل الناس بحيث تظهر مردودية النمو في حياتهم، ومن قبل الناس أي تمكينهم من المشاركة بفعالية في العمليات والقرارات التي تؤثر على حياتهم؛
ولقياس مدى تقدم المسار التنموي داخل كل بلد، أكدت الرباعية على أن الفهم الصحيح لفلسفة التنمية الإنسانية يقتضي اعتبار القدرات الإنسانية، وليس التمكن من السلع والخدمات عن طريق الدخل،فأعادت تركيب مؤشر التنمية البشرية باعتبار العناصر التالية: تحسين الصحة من خلال العمر المتوقع عند الميلاد؛ الحرية للجميع وتشمل تمكين النوع لقياس مدى توصل النساء للقوة في المجتمع؛ اكتساب المعرفة ويشمل التمكن من تقنيات المعلوميات والاتصال؛ إصحاح البيئة من خلال انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون للفرد.
أول الرباعية اعتبره المهتمون بالشأن العربي تقريرا شاملا يضع حجر الزاوية لإنتاج مستقبل يرمي تجاوز النواقص الراهنة وتحويلها إلى نقيضها، أي إلى ميزات ينعم بها المواطنون العرب دون تفرقة وتزهو بها البلدان العربية، وقد تناول بناء القدرات البشرية والعناصر الأساسية في تكوينها، ثم توظيف هذه القدرات نحو مجتمع المعرفة واستعادة النمو الاقتصادي وتخفيف حدة الفقر الإنساني، كما تطرق في ختامه إلى التعاون العربي كضرورة للحياة الكريمة والمستقبل الأفضل، وللمحافظة على المكانة العربية اللائقة بين الأمم خاصة في ظل ما هو متاح من مقومات التكامل.
فالناس في البلدان العربية على اعتبارهم الثروة الحقيقية من المحيط إلى الخليج للأمة العربية يواجهون تحديين حقيقيين لتحقيق السلام والتنمية، الأول يتمثل في السعي للتحرر من الخوف خاصة بعد أحداث 11شتنبر 2001 المأساوية، والتحدي الثاني يتجلى في مجابهة مسيرة التحرر من العوز والحرمان بجميع أشكاله، ويمثل الاحتلال الإسرائيلي عقبة كؤود في وجه مسلسل التنمية داخل المنطقة العربية إذ صار ذريعة لتشويه برامج التنمية، فيتم تحويل الاستثمار العام من التنمية إلى الإنفاق العسكري، ويخلق تحديات إنسانية كبيرة للبلدان المستضيفة للاجئين، ويزيد الاضطراب السياسي والنزاعات العسكرية والعقوبات الاقتصادية الأمر سوءا، إذ وجدت الأقطار العربية نفسها مثقلة بالديون وبنى تحتية مدمرة وركود في القطاع العام، وفقدان موارد بشرية هي في أمس الحاجة إليها لإعادة الاستقرار وتجديد القدرة على التنافس.
ويتطلب تأمين مستقبل أفضل للجميع الرهان على المعاني الجديدة للتنمية من قبيل نشأة أسواق عالمية جديدة كأسواق الصرف وأسواق رأس المال، وظهور أدوات جديدة مثل شبكة الإنترنت والهواتف المحمولة، وبروز فاعلين جدد كالمنظمات غير الحكومية ومنظمة التجارة العالمية، أيضا قواعد جديدة مثل الاتفاقيات متعددة الأطراف المتعلقة بالتجارة والخدمات والملكية الفكرية.
وتبدو بشكل جلي في ختام التقرير ضرورة التعاون العربي على ضوء توفر جل مقومات التكامل في المنافسة الدولية المكثفة، على خلفية التطور الاقتصادي المتلاحق والمتسارع الناتج عن رفع القيود عن التجارة العالمية، وتعاظم دور الشركات العابرة للقارات وتراجع دور الدولة الاقتصادي وتوسع تكتلات التبادل التجاري الإقليمية، في حين يبقى المستقبل العربي رهينا بقدرة العرب على معالجة المشاكل الهيكلية والتحدي التقني من ناحية، وبقدرة العرب على خلق تحرك جماعي فاعل من ناحية ثانية.
التقرير الثاني: نحو إقامة مجتمع المعرفة
إن التنمية الإنسانية بنهجها الشمولي الذي شمل عدة جوانب أهمها: تنمية الموارد البشرية كمدخل في عملية التنمية، ونهج الحاجات الإنسانية الذي يركز على متطلبات الإنسان وليس على خياراته، ونهج رفاه للإنسان الذي ينظر إلى الناس كمنتفعين وليس كمشاركين فاعلين في العمليات التي تشكل حياتهم، تقتضي من المعرفة عمادا للتنمية وسلعة ذات منفعة عامة أن تنتشر في جميع جوانب النشاط الإنساني، وبوصفها قدرة إنسانية ومؤشرا لتوسيع خيارات البشر، والفشل في معالجة جوانب العجز فيها يعطل التنمية الإنسانية بمعناها الأوسع.
فالمعرفة تتكون من البيانات والمعلومات والإرشادات والأفكار، وتوجه السلوك البشري فرديا ومؤسسيا، في ميادين النشاط الإنساني كافة، وإنتاجها لا يقتصر على الأشكال التقليدية للعلم والبحث العلمي، بل تنتج كذلك عن أصناف التعبير المختلفة فنيا، أدبيا وهي بذلك حالة إنسانية أرقى من مجرد الحصول على المعلومات تزداد وتنمو باستعمالها.
والتقرير الثاني في الرباعية تطرق للمعرفة على اعتبارها سبيلا لبلوغ الغايات الإنسانية الأخلاقية الأعلى: الحرية، العدالة والكرامة الإنسانية، ونفع المعرفة يتجاوز مضمونها المتجرد إلى مدى إسهامها في إيجاد حلول لقضايا يجري الاهتمام بها في مجتمع معين خلال وقت معين، فقد تفحص بعمق واقع المعرفة في الأقطار العربية التي تتسم بمكونين رئيسيين لمنظومة اكتساب المعرفة: نشرها وإنتاجها، هاته المنظومة لا تنمو في فراغ، بل في مجتمع محدد ذي سياق تاريخي خاص ومؤثر قادر على التأثير في مختلف البنى الاجتماعية والاقتصادية، ويجمع التقرير ختاما شمل خيوط تحليله لحال المعرفة ويقدم رؤية استراتيجية لإقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية.
ويقصد بنشر المعرفة عملية تتجاوز نقل البيانات والمعلومات عبر وسائط متعددة إلى عملية إنتاجها وتكوين رأس مال معرفي يسهم في التنمية الإنسانية من خلال امتلاك القدرة على الإضافة إلى رصيد المعرفة الإنسانية الذي يغترف البشر منه جميعا، وبشكل عام يمكن القول أن هناك إنتاجا معرفيا عالي المستوى في مجالات الفنون المختلفة (الأدب،المسرح، السينما، الموسيقى، الفنون التشكيلية) ولكنه قليل وغير متناسب مع حجم العالم العربي بإمكاناته البشرية والطبيعية، كما أنه يأتي نتيجة مبادرات فردية. ومن نافلة القول أن التعبير الفني والأدبي يحتاج إلى مناخ من الحرية لكي ينمو ويزدهر بعيدا عن التشريعات التجارية التي تقيده، كما تعد أشكال الرقابة المختلفة التي يخضع لها المبدع العربي من أهم التحديات التي يواجهها لأنها تتعارض مع سمة أساسية للإبداع الفني، وهي كسر المحظورات الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية التي تسود مجتمعا ما.
وأمام هذا الضعف العام الذي يشوب عمليتي نشر وإنتاج المعرفة في الأقطار العربية، على الرغم من وجود رأسمال بشري عربي مهم يمكنه في ظروف مغايرة أن يكون بنية أساسية قوية لقيام نهضة معرفية، اقترح التقرير الثاني رؤية استراتيجية لإقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية تنتظم حول أركان خمسة تهم: إطلاق حريات الرأي والتعبير والتنظيم، وضمانها بالحكم الصالح؛ النشر الكامل للتعليم راقي النوعية مع إيلاء عناية خاصة لطرفي المتصل التعليمي، والتعلم المستمر مدى الحياة؛ توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير الثقافي في جميع النشاطات المجتمعية؛ التحول الحثيث نحو نمط إنتاج المعرفة في البنية الاجتماعية والاقتصادية العربية؛ تأسيس نموذج معرفي عربي عام، أصيل، منفتح ومستنير، يعتمد على العودة إلى صحيح الدين وتخليصه من التوظيف السياسي والنهوض باللغة العربية واستحضار إضاءات التراث المعرفي العربي في تشكيل الأنموذج المعرفي العربي، وإثراء التنوع الثقافي داخل الأمة، والانفتاح على الثقافات الإنسانية الأخرى وحفز التعريب والترجمة وتعظيم الاستفادة من المنظمات الإقليمية والدولية.
التقرير الثالث: نحو الحرية في الوطن العربي
يركز تقرير عام 2004 على قضية مستعصية هي الحرية والحكم الصالح باعتبارها أحد الأسباب التي تقعد النهضة العربية عن الانطلاق، فيتناول في قسم كبير منه تشخيصا لمدى التمتع بالحرية في الوطن العربي في مطالع الألفية الثالثة من خلال نظرة تحليلية موجزة لمدى انتهاك الحقوق والحريات المدنية والسياسية في البلدان العربية، وفي الشق الثاني يقدم فريق التقرير رؤية إستراتيجية يؤمل أن تعين المجتمعات العربية على اكتشاف طريقها الخاص إلى الحرية والحكم الصالح عبر عملية النضال التاريخي اللازمة.
يتناول ثالث تقارير الرباعية الحرية في مفهومها الشامل - أي الحقوق والحريات المدنية والسياسية(بمعنى التحرر من القهر) - مرتبطة بفكر المواطنة والديمقراطية، إضافة إلى التحرر من أشكال الحط من الكرامة الإنسانية مثل الجوع والمرض والجهل والفقر والخوف، وبلغة منظومة حقوق الإنسان، الحريات المدنية والسياسية والحقوق الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية والبيئية، وتكاملها على تنوعها يشكل جوهر الرفاه الإنساني التي يسعى إليها دائما ولا تدرك أبدا، بإيجاز الحرية مناهضة للاستبداد والاستعباد والفساد، والحرية من الغايات الإنسانية الأعلى تترنح بين مفهومين، المفهوم السلبي يتصل بالنطاق الذي يمكن لفرد أو جماعة فيه أن يكون كما يريد أو يفعل ما يريد، دون تدخل من الآخرين، أي بإسقاط القيود على الفرد بمعنى آخر تفشي الحرية بإطلاق، والمفهوم الإيجابي للحرية يتعلق بمسألة التدخل أو الضبط لكينونة أو فعل الفرد أو الجماعة، أو أسلوب ضبط الحرية الفردية تفاديا للفوضى، وتسليم الفرد بمبدأ ضبط الحرية يفتح الباب لخطر الاستبداد من قبل المسيطر، ولذا فإن تلازم الحرية والحكم لصالح معرفين في سياق مجتمعي معين، هو الموقع الأمثل بين إطلاق الحرية (الفوضى) والاستبداد، ولهذا تتبنى الرباعية المعنيين كليهما، باعتبار الحرية من الطيبات الإنسانية التي تحتاج إلى بنيات وعمليات مجتمعية تفضي إليها وتصونها، وتضمن اطرادها وترقيتها، من خلال نسق للحكم الصالح متجسد في تكاثف بنى الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
فالحكم الصالح من منظور التنمية الإنسانية هو الحكم الذي يعزز ويدعم ويصون رفاه الإنسان، ويقوم على توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية خاصة لأكثر أفراد المجتمع فقرا وتهميشا، متسما بالمشاركة والشفافية والمساءلة؛ والفرد لا يكون حرا إلا في مجتمع/ وطن حر، ومن ثم كان التقرير الثالث شموليا في معالجته المتكاملة للحرية من خلال تناوله لحرية الفرد وحرية المجتمع من جهة، وحرية المواطن وحرية الوطن من جهة أخرى. والمجتمع لا يكون حرا إلا بتظافر شرطين أساسيين: عدم وجود سلطات مطلقة حيث يبقى لجميع البشر الحق في رفض أي سلوك غير إنساني، ووجود نطاق مستقر من الحقوق والحريات لا يمكن فيه انتهاك آدمية البشر.
إن الواقع العربي بالغ التعقيد لأسباب داخلية وخارجية في آن واحد، والمتمعن في شأنه يلمس بشكل جلي تصاعد وثائر المناداة بالإصلاح بموازاة طرح مشروع الشرق الوسط الكبير، كما يقف على عدوانية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية حيث يحرم العرب من التوظيف الكفء للقدرات البشرية مما أسفر عنه تدني في مستوى الرفاه الإنساني، وإتاحة استمرار التذرع بالخطر الداهم الخارجي لتعطيل الإصلاح الديمقراطي من قبل أنظمة الحكم العربية، وتشهد تداعيات غزو العراق على التنمية حيث خرج الشعب العراقي من تحت وطأة حكم استبدادي انتهك جميع حقوقه الأساسية وحرياته، ليقع تحت سلطة احتلال أجنبي زاد من معاناته الإنسانية على أربع مستويات: غياب الأمن وانتهاك الحق في الحياة؛ الالتفاف حول الحق في الحرية؛ إساءة معاملة الأسرى والمعتقلين؛ إهدار بنيان الدولة العراقية، ويستعرض تفاقم ظاهرة الإرهاب التي طالت السعودية والمغرب والعراق، ويقف أخيرا على عمق الإشكاليات المفهومية والعملية التي يثيرها النموذج الشامل للحرية، من انتهاك مستمر للحقوق والحريات المدنية والسياسية ونقص في الوفاء بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ليتفحص ختاما مدى ابتعاد الواقع العربي الراهن عن مثال الحرية والحكم الصالح.
فالمستقبل العربي يكتنفه، رغم وضوح الغايات المبتغاة، غموض شديد، لكن هذا لا يمنع من استشراف المستقبل من خلال رصد دواعي التداول العميق للسلطة في البلدان العربية، وطرح ثلاثة بدائل لمستقبل الحرية والحكم، أحدها واجب تفاديه، والثاني يفضله حتما، والثالث يبدو واقعيا وقد يكون المفضل إن أحسنت إدارته من قبل القوى المجتمعية العربية.
لاشك في أن مسيرة التحديث في البلدان العربية قد أسفرت عن إنجازات ملحوظة خاصة في مجالات مكافحة المرض، وفي إقامة البنى الأساسية والنشر الكمي للتعليم، ومع ذلك قد لا يثور خلاف على أن الدول العربية لم تف بعد بطموحات الشعب العربي في النماء والأمن والتحرر بمعايير القرن الحادي والعشرين، وكثيرا ما قيل في بلدان عربية إن على الحرية أن تنتظر توافر"الخبز" بمعنى إشباع الحاجات الأساسية للبشر، ولكن معادلة الخبز قبل الحرية كادت أن تنتهي إلى افتقاد عامة العرب إلى "الخبز" والحرية كليهما.
وعلى الصعيد الدولي لم ينجح العرب في حماية الحقوق العربية على الساحة الدولية، وفي ضمان وجود كريم للعرب من موقع منعة واقتدار، ونتيجة لهذا كله، لم تنجح الدول العربية قطريا وإقليميا، في تحرير الأرض العربية، بل زاد في عهدها على احتلال فلسطين، احتلال العراق، وأعادت حكومات عربية القوى العسكرية الأجنبية إلى أن تطأ الأرض العربية بعد عقود من الاستقلال، وهكذا أضحى أكثر من 10% من العرب يرزحون تحت احتلال أجنبي مباشر، ناهيك عن انتشار القواعد العسكرية الأجنبية.
إن استمرار الأوضاع الراهنة، من عجز تنموي يلازمه قهر في الداخل واستباحة من الخارج، يمكن أن يفضي إلى تعميق الصراع المجتمعي في البلدان العربية وفي غياب آليات سلمية وفعالة، لمكافحة المظالم التي يتمخض عنها الواقع العربي الراهن، قد يلجأ بعضهم لأشكال من الاحتجاج العنيف تتزايد معه فرص الاقتتال الداخلي، وقد يفضي ذلك إلى تداول قادم للسلطة يتأتى عن العنف المسلح، لما ينطوي عليه من خسارة إنسانية لا تقبل مهما صغرت، ولا تحمد عقباها بالضرورة، خاصة فيما يتصل بطبيعة التنظيم السياسي الذي قد يتولد عنه، وهذا ينطوي ضمن مسار "الخراب الآتي". ومسار "الازدهار الإنساني" يقدم كبديل لتلافي"الخراب الآتي" من خلال التداول السلمي العميق للسلطة عبر عملية تاريخية تتبناها جميع الشرائح المتاجرة للإصلاح في عموم المجتمع العربي، في السلطة وخارجها على مختلف الجبهات بإطراد، وبالسبل الديمقراطية كافة، بهدف تعزيزه الحريات والحقوق، والنتيجة المتوخاة هي إعادة توزيع القوة في المجتمعات العربية بما يوصلها لمستحقيها من السواد الأعظم من الناس، والعمل على إقامة نسق الحكم الصادر يشكل أساسا متينا لنهضة إنسانية في الوطن العربي.
في المنظور الواقعي، قد يتبلور المستقبل العربي على مسار ما بين هذين البديلين، ونقصد ما يمكن أن يتمخض عنه الضغط الخارجي، الذي يمكن أن يدفع موجة من الإصلاح الداخلي في البلدان العربية، فهذا البديل "الملتبس" قد لا يرقى لبديل "الازدهار الإنساني"، ذلك أنه قد ينطوي على التخضع للفرد من الخارج وفق رؤى قوى أجنبية لا تتقاطع بالضرورة مع الحرية والحكم الصالح خاصة فيما يتصل بالتحرر والاستقلال الوطني وطبيعة النظام المنشود، ويتطلب قيام مجتمع الحرية والحكم والصالح إصلاحا متماسكا لنسق الحكم في نطاقات داخلية وإقليمية ودولية مترابطة، انطلاقا من إصلاح مؤسسي للدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص ومرورا بنظيره القانوني القائم على إصلاح الدساتير والتشريعات العربية وإطلاق حريات التعبير والتنظيم، وانتهاء بتوجه نسق الحكم الإقليمي نحو التكامل.
التقرير الرابع: نحو نهوض المرأة
على خلفية ربيع الإصلاح العربي الذي لم يزهر، نبع إلى حيز الوجود آخر الرباعية تحت عنوان "نحو نهوض المرأة في الوطن العربي" ليوطد دعامة قوية في تناوله، بالتركيز على المرأة في العالم العربي وليس المرأة العربية، ليسع تحليله المرأة البربرية والمرأة الأجنبية التي تعيش وتعمل في هذه المنطقة، و"خادمات" المنازل الآسيويات اللائي يعملن في دول الخليج مجردات من أبسط حقوقهن.
وانطلق رابع تقارير التنمية الانسانية العربية– الذي طال انتظاره وتأجل إعلانه أكثر من مرة وواجه ضغوطاً دوليةً عدة- من بناء مفاهيمي متكامل يرتكز على ثلاثة أسس تتمثل في المساواة التامة في فرص اكتساب القدرات البشرية وتوظيفها بين الرجال والنساء، ضمان حقوق المواطنة لجميع النساء على قدم المساواة مع الرجل، والإقرار بأوجه الاختلاف بين الجنسين واحترام هذا الاختلاف، ليمسح بشكل عام وجزئي أحوال المرأة العربية ويناقش أوضاعها في محاولة جريئة للتصدي لشرح إشكالات القصور في اكتساب وتوظيف القدرات البشرية في مجالات شتى أهمها التعليم والصحة والاقتصاد والسياسة، ويخلص إلى أن النساء في العالم العربي أحرزن مكتسبات دون أن يحققن إمكاناتهن الكاملة في المساهمة في ازدهار الدول العربية وقوتها.
لقد كشف تقرير عام 2005 عن التقدم الجزئي الذي شهدته أوضاع النساء في المنطقة العربية خاصة في السنوات الأخيرة، فالعمليات السياسية العربية ما زالت بعيدة عن تمثيل المرأة ومتطلباتها وشواغلها، على الرغم من الضغط الاجتماعي الذي أدى إلى تحفيز تغييرات إيجابية معينة، ودور المرأة في الحكومات ومراكز القرار ما زال مشروطاً وتجميلياً... ومشاركتها اتسمت بالطابع الرمزي... من دون مد التمكين إلى القاعدة العريضة من النساء، وهكذا فقد نوه التقرير بحصولهن على حقي التصويت والترشح في غالبية البلدان العربية، ودعا إلى تخصيص حصص للنساء في المجالس المنتخبة، خصوصاً أن نسبتهن في البرلمانات العربية أدنى منها في أي منطقة أخرى في العالم، إذ تشغل النساء 3.5% من جميع المقاعد البرلمانية في الوطن العربي مقابل 4.2% في شرق آسيا بدون الصين، و8.4% في إفريقيا جنوب الصحراء و 12.7% في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، 12.9% في بلدان أمريكا اللاتينية والكارايبي، 21.2% شرق آسيا مع الصين، ولا يتجاوز تمثيلهن في البرلمانات العربية أقل بنسبة 10 في المئة من المعدل العالمي، كما لفت الانتباه إلى أن الإناث يناضلن للتغلب على الفجوة المعرفية الناجمة عن التحيز إلى الذكور، لافتاً إلى أن نسب تسجيلهن في المراحل التعليمية المختلفة لا تزال أقل كثيرا من الذكور.
وذكر أن النساء العربيات يعانين درجة غير مقبولة من مخاطر المرض والوفاة المتصلة بوظائف الحمل والإنجاب، مشيراً إلى أن معدل الوفيات أثناء الولادة يراوح بين 270 وألف حالة بين كل مئة ألف في البلدان العربية. وكشف أن معدل النشاط الاقتصادي للنساء العربيات يبلغ 33 في المئة. وأشار إلى أن النساء نلن نصيباً مزدوجاً من الانتهاكات الجسيمة تحت وطأة الاحتلالات الأجنبية.
ورأى أنهن أصبحن أقرب إلى المساواة القانونية، على رغم وجود بعض رواسب التحيز. حيث توصل إلى وجود قوتين رئيسيتين مسيطرتين تكبحان نهوض المرأة في العالم العربي، هما الأنظمة العلمانية القهرية التي عملت على التلاعب بقضايا المرأة حسب مصالحها السياسية، وصعود الحركات الإسلامية التي ارتبطت إيديولوجيتهم الأوسع بصعوبة مواجهتهم لقضايا المرأة، ويميز واضعوا التقرير بين الحركات السلفية وما يصفه بالتيارات الوسط التي كانت في كثير من الحالات في طليعة حركة تمكين المرأة.
هذا التقرير الدسم من حيث المعلومات، الجريء على مستوى الطروحات، وجد بشكل عام عند حديثه عن البنية القانونية أن قوانين عديدة في البلدان العربية تنطوي على تمييز ضد المرأة. ومع أن أحكام الدستور في جميع الدول العربية تقريباً تنص على حماية حقوق النساء، فإن هذه الحقوق غالباً ما تتعرض للانتهاك، أو تناقضها تشريعات أخرى، أو لا تدخل حيز التنفيذ. وفي هذا السياق، يستعرض مجموعة من الأحكام والممارسات التي تكشف عن تحيز المشرّع العربي ضد المرأة، باستثناء العلامات المضيئة التي سجلتها دول المغرب العربي في ما يتعلق بالأحوال الشخصية، وتوقيع غالبية الدول العربية (17 دولة عربية من مجموع 21) على اتفاق القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
وفي ختامه يقدم التقرير حزمةً للإصلاح المجتمعي المواتي للنهوض بالمرأة تتمثل في: الاجتهاد الفقهي نحو تحقيق الاتساق مع اتفاق القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة؛ تنقية الأشكال الثقافية من التحيز ضد المرأة؛ الإصلاح القانوني لضمان الاتساق مع الاتفاق الدولي؛ مكافحة الفقر بمعنى الحرمان البشري؛ إصلاح التنشئة وخصوصاً التعليم والإعلام وتكريس المساواة بين النوعين.
عيون أخرى ... تقرأ الرباعية
لا بد في البداية من الإشادة بسلسلة الرباعية التنموية حيث تعتبر عملا عربيا جماعيا بامتياز، وقد اتسمت بالتحضير الجيد، والمشاركة النوعية، والإعداد الجماعي، والتدقيق حتى في التفاصيل الصغيرة، والتحليل العلمي، والاستنتاجات العقلانية، والتوصيات القابلة للتنفيذ في حال توفر الرغبة والإرادة لدى القوى الحاكمة، ورغم الإجماع الواسع الذي حظيت به لدى شرائح مجتمعية عريضة ومتنوعة ومتعددة المرجعيات والمشارب، إلا أن أقلام النقد لم يجف مدادها على قلتها، فمن مئات المقالات التي نشرت كانت بضع عشرات فقط ناقدة، ولم تشهد مواقف سجالية مهمة لاعتبارات أهمها:
- شكلت مشروعاً ثقافياً تكاملياً قدم مادة غنية في توصيف المشكلات العربية في المرحلة الراهنة وآفاق الحلول المرتقبة لها.
- تعتبر منطلقا أو قاعدة صلبة لإطلاق مشروع ثقافي عربي جديد طال انتظاره.
- شكلت توصياتها كلا متكامل الرؤى حول مشكلات العالم العربية من خلال نوعية المعارف الجزئية والشمولية معا.
- نشرت باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، واستنسخت بكثافة الكترونيا، ووجدت تنويها معتبرا من دراسات عالمية.
من جهة أخرى كانت ردود الفعل على سلسلة التقارير الأربعة متفاوتة، داخل العالم العربي وخارجه. فهناك من تحمس لها ووجد فيها الكثير من الدقة والموضوعية التي لم تألفها التقارير العلمية العربية السابقة، خاصة التقارير الصادرة عن جهات رسمية عربية. وهناك من هاجمها بحدة، واعتبرها مرجعا في استهداف الأمة ومبررا معنويا وخدمة مجانية للمشروع الأميركي الذي استفاد من السلبيات الواردة فيها للتشهير بالأنظمة العربية الاستبدادية القائمة على امتداد الوطن العربي، والدعوة إلى تغييرها بالسرعة الممكنة، وبمختلف السبل، ومنها استخدام القوة العسكرية.
وباكتمال الرباعية، بات من الضروري التوقف لنقد هذه التجربة بأكملها، وبكثير من الجرأة والموضوعية. فقد خلص منير شفيق إلى استغلال التقارير ضد العرب ليس لأنها قالت الحقيقة أو مارست نقدا ذاتيا وهميا، وإنما بالغت وضخمت إلى حد الطغيان على الواقع العربي، واعتبرت نشرة ميريب ريبورث أن أدلجة التقارير أسست لنظرة استشراقية جديدة للمنطقة العربية بأقلام عربية، كما شكك الدكتور جلال أمين في جريدة الحياة في نية التقارير التي أظهرت العرب كأمة تصنع الفشل لتثبت حقيقة مهمة تتجلى في كون المشكل العربي داخلي صرف ولا يتحمل مسؤوليته الغرب والدولة الإسرائيلية؛ كما نشرت نوال السعداوي نفس النقد في جريدة الأهالي المصرية ومحمود عوض في جريدة الوفد. ومع التأكيد التقديري المستمر للجهد العلمي المبذول في التقارير، والإثارة التي بعثها في الواقع العربي الراكد، وفي ضوء ما نطقت به التقارير، وما سكتت عنه فقد سجلت العديد من الملاحظات، أهمها:
هل قدمت التقارير جديدا في طرق مسائل التنمية؟ تقنيا استندت على معطيات التقارير الاثنى عشر السابقة للأمم المتحدة السابقة، وبالتالي لم تستطع تعويض النقص في الإحصاءات الذي أصاب التقارير القطرية لـ13 دولة عربية، من زاوية أخرى، وعلى صعيد الوصف الذي اعتمدته التقارير، فإنه يوحي بنقد مفهوم التنمية البشرية لجهة التركيز على معطى الحرية كتحد أول وضعته التقارير أمام التنمية، وفي ذلك انتقاد للروح الجدلية في الانتقال من وصف التنمية البشرية إلى وصفها بالإنسانية ويبرر التقرير التسمية المعتمدة بأن مضامين التنمية البشرية تعني تنمية القدرات والموارد البشرية وهي ليست سوى مدخلات للتنمية البشرية فيما حرية استخدام هذه المدخلات هي الأهم.
التقرير الأول يصدر في توقيت بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وقد كانت الحرية من أهم مطالبه لأنسنة التنمية عربيا، فأيهما يسبق الآخر: الحرية أم التنمية؟ تاريخيا كانت التنمية هي السابقة، إذ أن الحرية استهدفها الناس ويتدرجون نحوها ولا ينطلقون منها، وقياسها يقتصر على المشاعر والانطباعات من خلال استطلاع آراء الناس التي قد لا تعبر عن سرائرهم، وأي حرية مقصودة في مجتمعات تتفاقم فيها البطالة والأزمات المعيشية.
قدمت د. ريما خلف، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، تصديرا للتقارير تضمن قولها، إن التشخيص الدقيق للمشكلة هو جزء من حلها، وتشخيص أية ظاهرة سياسية واجتماعية حتى يكون دقيقا ينبغي أن يحدد العوامل الموضوعية والذاتية التي تسببت في بروزها، غير أنه يمكن الجزم بأن ما تضمنته التقارير لا يجاوز التوصيف لبعض ظواهر الواقع العربي المأزوم، ولم يصل إلى مستوى تشخيص تلك الظواهر، ذلك أنها لم تعن بتسليط الضوء الكافي على أسباب القصور العربي الرسمي والشعبي، أو تأتي على ذكر العوامل الحقيقية التي جعلت العمل العربي المشترك غير ذي جدوى برغم توفر المؤسسات وتعدد الاتفاقيات، كما لم تضع في حسبانها النظام الدولي السائد عسكريا وسياسيا، ولم تدرك الاستراتيجية العليا للدول الكبرى ودور المؤسسات المالية الدولية، ولم تهتم أيضا بالربط بين العولمة والاستراتيجيات الدولية ومواقف بلدان العالم الثالث، كل ذلك راجع إلى انحيازات الرباعية وتبنيها للمقولات الرسمية العالمية.
أشارت التقارير في العديد من المواقع إلى أهمية التكامل العربي، غير أن التكامل الفاعل مستحيل التحقق عمليا في واقع من أبرز سماته، افتقاد استقلالية القرار السياسي العربي، وتعاظم دور الرأسمالية الطفيلية وثيقة الصلة بالقوى الدولية الرافضة للوحدة العربية والتكامل القومي، وعليه يغدو منطقيا القول بأن أول شروط إعادة تأسيس المجتمعات العربية بما يتلاءم ومتطلبات العصر إنما هو النضال لتحرير الإرادتين السياسية والاقتصادية للعرب، والتقدم الجاد على طريق التكامل القومي المتحرر من كل تبعية.
ليس القصور في مجال الحريات العامة، وتمكين المرأة واكتسابها للمعرفة وحسب هو الذي تسبب في تخلف الواقع العربي على النحو الذي أفاضت في توصيفه التقارير، فالقصور في المجالات الثلاثة ليس إلا بعض ظواهر واقع مأزوم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا نتيجة...عمق وسعة المدخلات الخارجية في أدق الشؤون العربية....
تشير التقارير إلى مليون عالم عربي يعملون في الدول الصناعية، وينوه بدورهم في تجاوز التخلف المعرفي والتقني في حال الاستعانة بقدراتهم في الوطن العربي، غير أنها تسكت تماما عن وجود ما يتجاوز ترليون دولار على شكل ودائع واستثمارات عربية في أوربا وأمريكا، ولم تشر أدنى إشارة إلى إمكانية استثمار تلك الأموال الطائلة في تطوير الاقتصاديات العربية.
وأوردت التقارير أن حل مشكلة المخاطر العالمية للحروب الإقليمية والدولية يتطلب إيجاد حل عادل وشامل للصراع العربي – الإسرائيلي باعتباره يقع في قلب الأزمة السياسية للمنطقة، وجملة "حل عادل شامل" تحتمل تفسيرات شتى، وكانت ولازالت توظف في تمييع المطالبة بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، من القرار 194 لسنة 1984 الخاص بحق عودة اللاجئين والتعويض عليهم، إلى القرارين 242 لسنة 1967 و 338 لسنة 1974 بالانسحاب من كامل الأرض المحتلة سنة 1967 بما فيها القدس الشرقية. والسؤال بماذا يفسر عدم النص على تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بالحقوق المعترف بها للشعب العربي في فلسطين؟!!
إن حصر التقارير في المنطقة العربية له ما يبرره لاختلاف الأوضاع بين الأقطار العربية إلى حد التنافر أحيانا، فلا يمكن قياس البحرين مع مصر مثلا أو جيبوتي والصومال مع الكويت، فحصر الحديث على التنمية في العالم العربي دون سواه من البلدان النامية الأخرى ليس له ما يبرر سوى الايدولوجيا "العروبوية" والبيروقراطية التي تحكمت بالتقارير وما جاء فيها، هكذا يمكن القول أن بعض الدول العربية يمكن أن تقارن في الإمكانات والمعوقات الأساسية لتنميته فيها مع دول نامية غير عربية (العراق وفنزويلا مثلا) انطلاقا من موارد وظروف متشابهة تواجهها في السوق الدولية. أما حصر الحديث في في المنطقة العربية ففيه افتعال لقياس التقدم الاجتماعي والاقتصادي والعلمي...
فما هي حظوظ الرهان على التوصيات التي أشار إليها التقرير للنهوض بالمرأة العربية في المرحلة القادمة؟ وهل أن الليبرالية الجديدة التي تبنتها الأنظمة العربية دون رقابة صارمة، ودون تنبيه من مخاطرها السلبية على أجيال بكاملها من الشباب والشابات في الوطن العربي تقدم حلولا عقلانية لمشكلات المرأة العربية؟ وهل نجحت توصيات التقرير واستنتاجاته في التوفيق بين معطيات متنافرة إلى درجة التناقض بين دولة عربية وأخرى؟ وما هي الضريبة التي دفعها المثقفون العرب حتى سمح لهم بنشر تلك التقارير، وبشكل خاص تقرير النهوض بالمرأة العربية الذي حمل الكثير من التوفيقية غير المقنعة؟.
كيف تعاملت القوى السياسية العربية، خاصة الإسلامية منها، مع تلك التوصيات في مرحلة تشهد صراعاً حاداً بين مشروع نهضوي عربي بشعارات إسلامية تطال مباشرة موقع المرأة ودورها، ومشروع نهضوي عربي ليبرالي بمقولات غربية وبقيادة أنظمة استبدادية لا تقبل بأكثر من إصلاحات بسيطة تحول المرأة العربية إلى ديكور بسيط في الوزارة، وكوتا في البرلمان، ومواقع غير متقدمة في دائرة القرار الإداري والاقتصادي، والثقافي؟.
وتوجد في التقرير الرابع مشكلة، على خلاف التقارير السابقة وخصوصاً التقرير الثالث الخاص بالحريات والحكم الصالح الذي كان يشتبك أساساً مع نظم الحكم، فالتقرير الأخير يشتبك مع مجمل البيئة المجتمعية العربية لذلك كانت هناك حاجة إلى قدر من الحرص والحصافة في التعامل مع القضايا التي يطرحها، لأنه يشتبك مع القوى المجتمعية سواء في السلطة أو المعارضة في البلدان العربية؛ كما لم يحظ باهتمام إعلامي وسياسي يليق به وذلك مقارنة بالتقرير الثالث الذي عالج قضايا الحريات في العالم العربي وحظي بمناقشات معمقة على كافة المنابر وأيضا بانتشار و"اهتمام إعلامي واسع ولعل السر في سوء حظ التقرير الرابع يعود سببه إلى انه كان معنيا بتمكين المرأة العربية وجاء تحت عنوان "نحو نهوض المرأة العربية "وهو أمر مازالت تضعه النخب العربية للأسف ربما في ذيل أولوياتها وذلك على اعتبار إن معارك التنمية الاقتصادية وتمكين الديمقراطية بعد معارك التحرير التي سيطرت على الخطاب السياسي في منتصف القرن الماضي هي المعارك الأهم التي من الأجدر الاهتمام بها وتقع على قمة الأجندة، بينما قضايا المرأة وفقا لهذا الخطاب يمكن معالجتها ربما في أي وقت أو في أوقات لاحقة.




12